حيدر حب الله

54

شمول الشريعة

الأخطاء ، تماماً كما تركت الأديان التصدّي لكيفية صنع الأطعمة والأشربة وكيفيّة صنع وسائل النقل والعربات وكيفية وضع الخطط الحربيّة والعسكريّة وغير ذلك . . ويكفي أنّ الشريعة وضعت له اطراً عامّة يمكنه أن يشتغل على التقنين في ظلّها وتحت تأثيرها . وهذا ما يذكّرنا بما يراه القديس أوغسطين ( 430 م ) من أنّ وجود الإبهام والمتشابه في النصوص الدينيّة تكمن خلفه مصلحة في دفع العقل للتأمّل والتفكير ، ولو كانت نتيجة هذا التأمّل عدم إصابة المراد الحقيقي للمتكلّم أحياناً وإنّما انكشاف أمور اخَر أثناء التأمّل يمكن أن تكون نافعةً بنفسها « 1 » . فأيّ مانع أن تكون الحكمة في ترك مساحة للتفكير البشري كي يضع فيها القوانين بعد وضع الاطر العامّة له والمحدّدات التي يمنع عن تجاوزها ، هل يتنافى ذلك مع خاتميّة الشريعة ؟ وكيف ؟ وأمّا القول بأنّ إعلان الخاتميّة بمثابة إعلان أنّ هذا الدين تامّ كامل لا نقص فيه ولا تبديل ولا نسخ « 2 » ، فهذا ربطٌ بين الخاتميّة والكمال - في مقابل النقص - وسيأتي أنّ الكمال هل يستبطن الشموليّة أو لا ؟ فإنّ افتراض الترابط بين الخاتميّة والكمال ، يحتاج إلى افتراض ترابط آخر بين الكمال والشموليّة لكي تثبت القضيّة التي نبحثها هنا ، وسيأتي التعرّض لموضوع الكمال وعلاقته بالشموليّة القانونيّة قريباً جداً عند استعراض النصوص القرآنية المستدلّ بها هنا . وهذا ما ينتج أيضاً أنّ القول بأنّ الشريعة جاءت لتكامل الإنسان في هذه الدنيا ، وأنّها لو لم تبيّن الموقف الصحيح في كلّ أنواع السلوك ، فهذا يعني أنّها نقضت غرضها الذي هو إيصال الإنسان إلى أعلى درجات الكمال ؛ إذ تركت له عناصر تكامليّة لم توضحها له ، مما يعني أنّ الخاتميّة تتضمّن الكمال ، والكمال يتضمّن الشموليّة ، وإلا وقعنا في نقض الغرض . . « 3 » . هذا القول غير دقيق أيضاً ؛ وذلك أنّه يدّعي أنّ تحقّق الغرض الإلهي بإيصال الإنسان إلى نهاية كماله في الدنيا متوقّفٌ على كشف كلّ المواقف القانونيّة لكلّ تصرّفاته ، ومن أين لنا أن نعرف ذلك ؟ فلماذا لا يكون هذا التكامل الإنساني متوقّفاً أيضاً على استخدام العقل البشري في اجتراح الحلول القانونيّة لبعض القضايا التي يواجهها البشر ، بحيث تكون المصلحة في هذا

--> ( 1 ) انظر : أوغسطين ، شهر خدا ( مدينة الله ) : 472 ( الترجمة الفارسيّة ) . ( 2 ) انظر : فلاح عبد الحسن الدوخي ، منطقة الفراغ التشريعي : 171 . ( 3 ) انظر : أياد المنصوري ، نظريّة التزاحم الحفظي : 75 - 77 .