حيدر حب الله
55
شمول الشريعة
الاستخدام من الناحية التربويّة والروحية والذهنيّة والذاتية أكبر من مصلحة تلقينه جميع المواقف السلوكيّة بشكل ناجز ؟ ومن أين لنا نفي هذه الفرضيّة ؟ وهل نحن على علمٍ بتمام حيثيات المصالح والمفاسد في هذا السياق ؟ ! وماذا يجيب القائلون بهذا الكلام هنا عن عدم وضوح الكثير من الأحكام الشرعيّة في عصرنا هذا ؟ ألا يقولون بأنّ المصلحة في عدم تدخّل الله بنبوّات جديدة ؟ وإذا قالوا بأنّ السبب هو ظلم البشر وإخفائهم الحقيقة ، فما ذنب المتأخّرين الذي ضاعت عليهم الحقائق ؟ ولماذا لا يكون ظلم البشر سابقاً سبباً في تقرير المولى سبحانه عدم إرسال شريعة شاملة لهم بعد ذلك ؟ ومن أين لنا أن نعرف الأمر على واقعه في مثل هذه القضايا حتى نقدّم براهين عقليّة ميزتها الوضوح والقاطعيّة ؟ خذ مثالًا ، كيف أنّك في بعض الأحيان لأجل تكامل أولادك ، لا تعطيهم الحلول في كلّ المشاكل أو القضايا التي يواجهونها ، بل تتركهم يخوضون التجربة ولو أخطأوا مرّةً أو مرّتين ، ورغم أنّ الوقوع في التجربة الخاطئة يحرمهم الموقف الصحيح ، غير أنّ المصلحة الأهم عندك تكمن في جعلهم يُنضجون تفكيرهم وخبرتهم الذاتية ويكتسبون سعةً وجوديّة أكبر بحسب التعبير الفلسفي ، فما المانع أن تكون التركيبة التكوينية للإنسان مما تكون المصلحة فيه في بعض الأحيان كامنةً في تركه يتحمّل مسؤوليّة السلوك واكتشاف الموقف الصحيح ؟ هذا ما يدفعنا لموقف متحفّظ من كلام الفخر الرازي ، إذا أريد توظيفه هنا ، حيث قال : . . لأنّ النبيَّ الذي يكون بعده نبيٌّ ، إن ترك شيئاً من النصيحة والبيان يستدركُه من يأتي بعده ، وأمّا من لا نبيَّ بعده يكون أشفق على أمّته وأهدى لهم وأجدى ، إذ هو كوالدٍ لولده الذي ليس له غيره من أحد « 1 » . فإنّ كلامه يوحي بأنّ النبيّ الخاتم يجب أن لا يترك شيئاً من البيان ، وهذا غير صحيح وفقاً للمقاربة التي قلناها ؛ لأنّ تكليف العقل باجتراح الحلول القانونيّة لبعض زوايا حياة البشر ، قد يكون بنفسه مقصوداً للشارع سبحانه وهدفاً من أهدافه ، فيكون توجيه النبيّ لنا إليه أو سكوته عن تحرّكنا نحوه بمقتضى طبائع الأشياء ، حيث نحتاج لاجتراح الحلول عندما لا نجد نصّاً . . يكون بياناً ونصيحةً ، فلا داعي لحصر معنى البيان والنصيحة بالكشف المباشر عن الحكم القانوني أو الأخلاقي في القضيّة . وممّا أثرناه من ملاحظات على محاولة المقاربة بين الخاتميّة والشموليّة ، نفهم الملاحظة المركزيّة
--> ( 1 ) التفسير الكبير 25 : 214 .