حيدر حب الله
53
شمول الشريعة
1 - شمول الدين وخاتميّته وخلوده ، واستدعاء التقنين التفصيلي المستوعب أوّل الأدلّة هنا هو ما ذكره بعض العلماء ، من أنّ الدين الإسلامي دينٌ شاملٌ ، على خلاف الديانات الأخرى ، ومقتضى شموليّته أنّ كلّ حدثٍ في الحياة ، فله فيه موقفٌ إيجابيّ أو سلبيّ ، سواء كان هذا الحدث مما تقتضيه الطبيعة البشريّة كالأكل والشرب أم لم يكن كذلك « 1 » . بل إنّ الخاتميّة تستدعي مفهوم الشمول التشريعي « 2 » . إلا أنّ هذا الدليل - لو قصد قائلُه الاستدلالَ به - ليس سوى مصادرة على الموضوع ؛ لأنّ كون الدين شاملًا تعبيرٌ آخر عن استيعاب أحكامه ومنظوماته لتمام وقائع الحياة ، فما هو الدليل على شموليّته بهذا المعنى ؟ فإنّ هذا هو محلّ التنازع في الموضوع . ولهذا أعتقد أنّ هذه المحاولة لا تعبّر عن استدلال أساساً ، بل هي المسلّمةُ المفروضة سلفاً . وغاية ما يمكن أن يقال هنا أنّ شمول الدين يوصل لشمول الشريعة ، وهذا إن لم يتضمّن سلفاً شمول الشريعة ، فهو بنفسه دعوى ؛ حيث نحتاج لدليل على شمول الدين نفسه ، وليس من دليل تقريباً سوى نفس الأدلّة التي تطرح في قضيّة شمول الشريعة ، فلاحظ جيّداً . أمّا موضوع الخاتميّة ، فلم يوضح لنا المستدلّون هنا كيف يمكن الانتقال من كون الدين الإسلامي هو خاتم الأديان إلى كون شريعته شاملة لكلّ الوقائع ، إنّ الوجه المنطقي للربط بين الفكرتين غير واضح ؛ إذ ما المانع أنّ هذا الدين الخاتم قد ترك - لمصلحةٍ يعلمها الله سبحانه - مساحاتٍ كبيرة من حياة البشر بلا تقنين ، معتمداً في ذلك على الجهود البشريّة ، بل لعلّه رأى أنّ دفع العقل للجهاد لتحصيل الموقف الأفضل في الوقائع المتروكة هو مصلحة قائمة بنفسها ، ولعلّ فيها كمال الإنسان وخلاقيته الذهنية لإدارة نفسه ، حتى لو وقع هنا أو هناك في بعض
--> ( 1 ) انظر : محمد تقي الحكيم ، الأصول العامّة للفقه المقارن : 230 ؛ وعبد الله نصري ، الدين بين الحدود والتوقّع : 72 . ( 2 ) انظر : جعفر السبحاني ، مقدّمة المهذب 1 : 6 ؛ والصافي الكلبايكاني ، مجموعة الرسائل 1 : 174 ؛ ومكارم الشيرازي ، المسائل المستحدثة في الفقه الإسلامي ، مجلّة فقه أهل البيت ، العدد 4 : 71 - 73 ؛ وكمال الحيدري ، شرح الحلقة الثانية ( بقلم علاء السالم ) 1 : 82 ؛ وفلاح عبد الحسن الدوخي ، منطقة الفراغ التشريعي : 171 ؛ وعلي رضا بيروزمند ، قلمرو دين : 149 ؛ وراجع : جوادي آملي ، شريعت در آيينه معرفت : 214 - 215 .