حيدر حب الله
46
شمول الشريعة
بحثنا ، خاصّةً في ضوء ما قلناه سابقاً من أنّ محلّ مبدأ الشمول التشريعي هو الحكم الواقعي وليس الحكم الظاهري الذي غالباً ما يقدّمه لنا البحث الفقهي السائد اليوم . ب - فقه المعاصرة أو فقه الثابت والمتغيّر : وهو الذي يعني أنّ الفقه عليه أن يكون معاصراً وأصيلًا في الوقت عينه ، بمعنى أنّ عليه أن يواكب من خلال أصالة النصوص كلَّ المستجدات ويطرح رأيه في كلّ القضايا التي تطرحها القوانين المعاصرة ، وأنّه لا يُكتفى منه بالإجابة عن القضايا المشتركة بين الحياة القديمة والحادثة ، بل هو يجيب عن كلّ ألوان الحياة بمتغيّراتها . إنّنا نلاحظ اليوم بأنّ الدين بات معنيّاً بشكل كبير بقضايا مستجدّة ولو كانت جدتها ببعض أشكالها ، أو فلنقل هناك من يقول بأنّها باتت متغيّرة عن الوضع السابق ، وهو ما بات يشكّل سؤالًا ملحّاً على الأديان - خاصّة المسيحيّة التي تشتغل كثيراً على هذا الأمر اليوم - مثل قضايا البيئة ، والمثليّة الجنسيّة ، والطلاق ، والمرأة ، والانفجار السكاني ، والإجهاض ، وحقوق الطفل ، والعنف ، وغير ذلك . إنّ فقه المتغيّر والثابت ليس هو نظريّة الشمول ، لكنّه مبنيّ عليها ويحاول أن يُثبت أنّ الشمول الذي نعتقد به يمكن لنا تكييف الفقه في ضوئه بحيث يصبح هذا الفقه مستجيباً لكلّ الوقائع بمتغيّراتها ، ففقه المتغيّر والثابت هو حاجة تفرضها على الفقيه قاعدة الشمول ، وفي الوقت عينه لو نجح هذا الفقه فإنّه يمكنه أن يشكّل مركز أمن لهذه القاعدة ، وأنّها بالفعل قابلة للإجراء وفق هذه الآليّة الفقهيّة في الثوابت والمتغيّرات . ج - فقه النُّظُم : والذي قد يعبّر عنه في بعض الأدبيات بفقه النظريّة أو فقه النظريّات ، والمراد منه هنا أنّ الفقيه يقوم بإنتاج معرفة فقهيّة جامعة ومدوّنة ومنظّمة ومتناسقة للسير نحو هدف ، وذلك أنّ البحث الفقهي يمكن أن يسير على عدّة مستويات أبرزها : المستوى الأوّل : فقه المسائل ، وهو الفقه الذي يدرس الشريعة على شكل مسائل مصطفّة إلى جانب بعضها بعضاً ، وتعالج كلّ مسألة واقعة أو فعلًا أو سلوكاً معيّناً ، مثل حكم حلق اللحية وحكم الغيبة وحكم أخذ الفوائد البنكيّة وهكذا ، ويقدّم الفقيه هنا فقهه على شكل إجابات فقهية تتصل كلّ إجابةٍ بموضوعها المحدّد . المستوى الثاني : فقه القواعد ، وهو فقه يتخطّى محاولة الجواب عن قضيّة جزئيّة محدّدة ، ليتصل بقاعدة لها تطبيقات في مواضع متعدّدة من الوقائع ، مثل قاعدة الفراغ وقاعدة ما يضمن