حيدر حب الله

40

شمول الشريعة

القادمة ، وفي ظنّي فإنّ ما يفرض دخول مرحلة روح الحكم هنا هو وجود اعتقاد مسبق بشموليّة الشريعة ، ولهذا نعتبر أنّ إثبات إرادة الله كافٍ في إثبات الحكم الصادر ؛ لأنّه لا مجال لأن لا يكون له حكم في موضوعٍ من الموضوعات ، أمّا لو أنكرنا الشمول فإنّ مجرّد الإرادة غير المبرزة لا تساوي الشموليّة . 2 - مرتبة الجعل والإنشاء ، بحيث جعل الله أحكاماً تغطّي كلّ الوقائع . وهذه المرتبة لها صلة أنطولوجيّة بالانكشاف والإبراز والصدور ، فإنّ الله إذا جعل الحكم واعتبره ولكنّه لم يُصدره ولم يبرزه للعباد بعدُ - كما لو لم يرسل نبيّاً بعد - فهنا لا يقال بأنّ شريعته شاملة ؛ لأنّه ليس المتنازع عليه في شمول الشريعة هو وجودها في أفق الاعتبار الإلهي - فنحن لا نبحث في قضيّة غيبيّة هنا - بل خروجها من هذا الأفق نحو العباد ، سواء وصلت كلّها لجميعهم أو بعضها لبعضهم ؛ لعناصر زمنيّة وتاريخية وموضوعية بشريّة . ولنتصوّر أنّ الله جعل شريعته في السماء قبل خلق الإنسان ، ثم خلق الإنسان ولم يُرسل أيّ نبيٍّ بعد ، فإنّه لا فائدة من وراء البحث في شريعته ، إنّما مركز اهتمامنا أنّه عندما بعث الرسل هل بعث معهم شريعة شاملة - بحيث كشف نفسه لهم بوصفه مولى وضع قانوناً جامعاً - أو لا ؟ فهذا هو المحور الذي ينفعنا في إدارة الموضوع ، لا أصل الشريعة المعتبرة بلا أيّ إبراز . 3 - مرتبة الفعليّة ، بمعنى أنّ الأحكام الفعلية تغطّي جميع وقائع الحياة ، ويقصد بالفعليّة تلك الأحكام التي تحقّقت قيودها الموضوعيّة ، فموضوع الحكم وشروطه وقيوده تحقّقت بحيث صار الحكم فعليّاً . وقد ذهب بعضهم هنا إلى أنّه لا معنى لفرض أنّ التنازع هنا هو في الأحكام الفعليّة ؛ لبداهة أنّ بعض الأحكام ليست فعليّةً نتيجة عدم تحقّق موضوعها ، كالشخص غير المستطيع أو الذي لم يهلّ عليه الهلال ، فالشريعة شاملة لكلّ الوقائع ، غايته أنّ بعض الأحكام فعلية وبعضها غير فعلي نسبيّاً « 1 » . لكن لو تأمّلنا تركيبة قاعدة الشمول أمكن القول بصحّة فرض أنّ المراد من الحكم فيها هو الحكم الفعلي أيضاً ، وإمكان تصوير ذلك ؛ وذلك أنّها تدّعي أنّ كلّ واقعة فلها حكم فعلي ، وهذا صحيح ؛ لأنّ كلّ واقعة هي في ظرفها ( ظرف التحقّق المساوي لحيثية وقوعها المستكنّة في

--> ( 1 ) انظر : المصدر نفسه ، العدد 7 : 168 - 169 .