حيدر حب الله

38

شمول الشريعة

قلنا سابقاً ، أمّا أنّ الشريعة تقول مثلًا : أطيعواعقولكم فيما توصلكم إليه من خلال تجارب الحياة ، فهذا - على الأصحّ - لا يعني أنّ ما تحكم به عقولهم هو حكم شرعي إلهي ، بل وجوب الإطاعة خاصّةً هو الحكم الشرعي الإلهي ، ما لم نفهم من وجوب الإطاعة أنّها بصدد الاستطراق لبيان انتساب أحكام العقل للشريعة ، وهذا بحث آخر ، وسيأتي الكلام في هذه النقطة مفصّلًا في غير موضع من هذا الكتاب ، فانتظر . وعليه ، فالمراد بالحكم هو الحكم الذي أصدره الله سبحانه وبيّنه لعباده بوصفه حكماً منسوباً إليه جاءت به شريعته السماوية عبر الوحي ونحوه ، أمّا لو قال شخصٌ بأنّ أحكام العقل هي من الله خاطبنا بها عبر عقولنا ، فكأنّها وحي من نوع آخر ، فهذا بحثٌ آخر يُذكّرنا بما يُعرف عن أحد الآباء الأوائل في المسيحيّة ، وهو القدّيس اكليمندس الإسكندري ( توفي حوالي عام 215 م ) الذي كان يسعى للتوفيق بين الفلسفة اليونانيّة واللاهوت المسيحي ، حيث كان يرى بأنّ الله خاطب اليهود بالوحي والكتاب المقدّس ، وخاطب اليونانيّين في عقولهم وفلسفتهم . ولن أستطرد في هذا الموضوع الآن ؛ لأنّ لنا كلاماً كثيراً في هذه النقاط ، بل نريد هنا فقط أن نشير إلى أنّ الشمول القانوني يرتبط بالحكم المنسوب له تعالى ، والمعلوم أنّه مجعول من الله بوصفه جزءاً من شريعته النازلة للبشر ، دون الحكم المنسوب إلى غيره ولو كان قد أمر الله بإطاعة هذا ( الغير ) . 1 - 1 - 7 - الحكم من حيث هو أوّليٌّ وثانوي من الواضح أنّ المعنيّ لنا بالحكم في نظريّة الشمول التشريعي ليس خصوص الحكم الواقعي الأوّلي ، بل ما يعمّه ويستوعب أيضاً الحكم الواقعي الثانوي الذي له هيمنة وسلطة على الحكم الأوّلي في مورده ، فقانون نفي الضرر وقانون نفي العسر والحرج وقانون الأهم والمهم وغير ذلك من هذه القوانين هي قوانين مشمولة لنظريّة الشمول ، ولابدّ أن تؤخذ أثناء فهم هذه النظريّة ، شرط أن يكون هناك دليل على أنّها قد جعلت في الشريعة بوصفها قوانين ، ولم يكن مصدر تقنينها غير الشرع دون أن يظهر من الشرع الموافقة عليها . وقيمة هذه الإضافة للحكم الثانوي تكمن فيما سيأتي - بحول الله - لدى استعراض النظريّة المدرسيّة في تفسير التوافق بين الشمول القانوني ومساحة المستجدّات والمتغيّرات الوقائعيّة ، فإنّ