حيدر حب الله

248

شمول الشريعة

وأنّ بعض الدّين سوف يأتي به الإمام المهدي في آخر الزمان ، فهذا إقرار بأنّ الشريعة اليوم هي بالنسبة لمن هم في زماننا لم تصدر كلّها ، ونحن منتظرون لاستكمال صدورها ، وهذا اعترافٌ بعدم شموليّة الشريعة الصادرة ، فضلًا عن الواصلة ، بالنسبة إلينا . أعتقد هنا بأنّ المقاربة التاريخيّة للدكتور عبد المجيد الشرفي لهذا الموضوع كانت مهمّة ، إذ اعتبر أنّ الفكر الإسلامي العربي اتخذ ثلاثة مواقف من هذا المأزق ( عدم وجود منجَز فقهي يغطّي كلّ متطلّبات الحداثة والتطوّر العلمي ) : أحدها استجلاب القوانين الوضعيّة مع تعديلات طفيفة كما فعلت الدول المدنيّة في العالم العربي في غير مجال الأحوال الشخصيّة ، وثانيها تأخير هذه القضيّة لحين قيام الدولة الدينيّة ، وثالثها أسلمة القوانين الوضعيّة عبر محاولة خلع عمومات كليّة عامّة عليها « 1 » . وهذا كلّه يكشف عن حجم المأزق الذي يواجهه الاجتهاد هنا . كما أنّ توصيف الدكتور عبد الإله بلقزيز للمشهد السياسي عقب وفاة النبيّ ، بأنّه فراغٌ قرآني تشريعي في مجال السياسة والسلطان ، في مقابل حضور قرآني متميّز في مثل الأحوال الشخصيّة والعلاقات الخارجيّة « 2 » ، يستحقّ التوقّف عنده ، فنحن لا نجد شيئاً واضحاً في تفاصيل الإدارة والملك وشكل النظام السياسي وصفات المتولين للأمور ، وشكل الدولة وعلاقات مؤسّساتها القانونيّة مع بعض وغير ذلك ، مع الإقرار بوجود حضور معيّن لبعض الأمور ، إضافة لمجموعة قيم حاكمة على العمل السياسي . إنّ ثلاثيّة : الاستقراء النصّي ، إلى جانب معادلة ( لو كان لبان ) ، مع عجز التجربة الفقهيّة اليوم عن التغطية المباشرة ؛ لكون الكثير من معاييرها يرجع إلى البناءات العقلائيّة والأصول العمليّة والعناوين الدستورية الثانويّة كنفي الضرر ونفي الحرج ونحو ذلك . . هذه الثلاثية تكشف لنا أنّ الشريعة الواقعيّة الصادرة لم تغطّ كلّ شيء ، وأنّ النصّ القرآني لم يقدّم الكثير من غير القواعد الدستورية العامّة ، بصرف النظر عن مقولة مثل المفكّر الباكستاني فضل الرحمن ( 1988 م ) والمفكّر الإيراني محمد مجتهد شبستري ، من أنّ القرآن يبلغ في تصدّيه للقضايا القانونيّة - بوصفها تشريعات للبشريّة عامّة - أدنى مستوى متصوّر ، وعادةً ما يشتمل على مجرّد

--> ( 1 ) انظر : عبد المجيد الشرفي ، الإسلام والحداثة : 139 - 147 . ( 2 ) انظر : بلقزيز ، النبوّة والسياسة : 46 - 47 .