حيدر حب الله
243
شمول الشريعة
الولاية والحاكميّة للفقيه من قبل النبيّ وأهل البيت ، وذلك أنّ هذه النصوص تفيد كون هذا الشخص حاكماً منصّباً من قبل النبيّ مثلًا ، وهذا يعني أنّ هذا التنصيب مغايرٌ لكونه مرجعاً في الشؤون العلميّة والإفتائية ونقل الحديث ، وهو ما يُنتج مرجعيّةً جديدة له تختلف عن مرجعيّته في المعرفة الدينيّة المستبطنة في فكرة الاجتهاد والتقليد مثلًا ، ولا معنى لهذه الولاية إلا أن يكون مفوّضاً بسنّ القوانين والتشريعات المتناسبة مع الزمان والمكان وفق الأصول الدينيّة العامّة ، وهذا ما يُنتج عدم الشموليّة التفصيليّة . وبعبارةٍ أخرى : لو كانت الشموليّةُ التفصيليّة المفتَرَضَة هنا حقيقةً واقعيّة ، لما كان معنى لفرض مرجعيّة قانونية إضافيّة مُلزِمة ، تُسمّى بولاية الأمر - سواء ثبتت للفقيه أو للأمّة ولو عَبر مجالس الحَلّ والعقد أو لغير ذلك - لأنّ المفروض أنّ كلّ حالة من الحالات الجزئيّة والوقائع الحاصلة في حياة البشر ، لها حكمٌ شرعيّ ثابت معيّن في نفسه ، فأيّ معنى لمنح شخصٍ ولايةً غير ولاية الإفتاء وكشف الحكم الشرعي الموجود في الحالة المنظورة ، وحيث إنّ ظاهر نصوص التولية منح ولاية مختلفة عن الولاية المعرفيّة الإفتائيّة ، فهذا معناه أنّه توجد منطقة يتولّى هذا الوليُّ مسؤوليّتها بسنّ القوانين الزمكانيّة المحتاج إليها . لن نبحث في هذا الاستدلال هنا الآن ، لأنّه سيأتينا بحث مركّز في هذه القضيّة في الفصلين : الثاني والثالث من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى ، ولكن باختصار ثمّة وجهة نظر ترى أنّ منح الولاية لا يرجع لمنح مسؤوليّة تقنينّة جديدة بالضرورة ، بل هو منح البتّ في تقويم وتحديد الواقع الخارجي ومديات انطباق العناوين عليه إلى شخصٍ واحد ، حتى لا تلزم الفوضى ، وهذا غير مسؤوليّة التقنين ؛ ومثال ذلك أن يقع نقاش في الأمّة حول خوض حرب معيّنة مع فئة من الناس ، ففيما يرى آخرون سلبيّة ذلك ، يرى فريق أنّه أمر ضروري ، ووليّ الأمر هنا - كائناً من كان ، فرداً أم جهةً - لا يقوم بسنّ قانون ملزِم بالحرب على تقدير اختياره قرار الحرب ، بل هو في الحقيقة يقوم بتشخيص الواقع الزمني ليرى أنّه واقعٌ يخضع لهذه القاعدة الشرعيّة أو تلك من قواعد الجهاد أو السياسة الشرعيّة أو نحو ذلك ، فقيمة ولايته أنّه مرجعٌ في التشخيص الموضوعي الخارجي ، وتشخيصه مُلزِم للناس ، وهذا غير مهمّة سنّ القوانين . ويتأكّد فهم هذه القضيّة من خلال رصد طريقة عمل السلطة التنفيذيّة اليوم والسلطة التشريعيّة في الدول الوضعيّة والمدنيّة ، فإنّ السلطة التنفيذيّة - المتمثلة في الحكومة والمؤسّسات