حيدر حب الله
234
شمول الشريعة
لكان يُفترض جعل الوجوب أو الحرمة ، ومن ثمّ لا علاقة لهذا الحديث بقضيّة الخلوّ التشريعي إطلاقاً ، خاصّة مع تعبير ( رخصةً لكم ) الوارد في بعض المصادر السنيّة . وقد يقال بأنّ هذا الفهم هو الأقرب لهذا الحديث ( الواقع بصيغة العفو ) ؛ فإنّه واضح في كون العفو هنا بمعنى أنّه ترك لأجلكم التعرّض لبعض الموارد رحمةً ، فتكون رسالة الحديث الكشف عن ثلاث حالات تقع بين المولى سبحانه وبين شريعته : حالة ذكره للنصّ المفيد للحرمة أو الوجوب ، وهنا على المكلّف الالتزام ، وحالة ذكره للنصّ المفيد للإباحة ، كأن يقول : أحلّ الله كذا وكذا ، وموقف المكلّف هنا هو الرخصة ، وأمّا الحالة الثالثة فهي عدم ذكره - واقعاً - لأيّ كلام ، لا على الإباحة ولا على الحرمة ، والحديث هنا يريد أن يؤكّد أنّ حالة السكوت الواقعي لم تنطلق من نسيان أو غفلة ، بل انطلقت من عمد ورؤية مسبقة ، وهي رؤية قائمة على الرحمة والتخفيف ، ومن ثمّ فنتيجة هذه الرؤية أنّ المكلّف عليه أن يتعامل مع النصوص الصادرة من المولى سبحانه ، أمّا ما لا نصّ فيه واقعاً ، فليس عليه أن يتكلّف شيئاً ، فإنّ السكوت الواقعي يُخفي خلفه ترخيصاً ؛ والتكلّف هو حمل الكُلفة وهو ينسجم عملًا مع حالة الإلزام ، مع أنّ الله رخّص في مورد سكوته . وبهذا يظهر أنّ هذا الحديث لا علاقة له بمرحلة الحكم الظاهري وفقدان المكلّف للنصوص التي يمكن أن تكون قد صدرت ، وليس هو مؤسِّساً لأصل البراءة ، بل هو مؤسّس - إذا صحّ التعبير - لأصالة الحلّ في مورد السكوت الواقعي ، فهو يتكلّم عن الحكم الواقعي والصورة الواقعيّة الثلاثية للمولى في علاقته - من حيث إصدار الموقف - بالوقائع ، ولهذا لم يقع هذا الحديث بصيغة العفو التي نتكلّم عنها إلا صادراً عن النبيّ أو الإمام علي أو من هم في زمنه ، ممّا يدلّ على أنّ المشكلة لم تكن بعدُ مشكلة فقدان النصّ ليكون الحديث عن أصالة البراءة ، بل مشكلة أنّ فقدان النصّ كاشف عن عدم النصّ ، وعدم النصّ يفترض أن نتعامل معه بوصفه كاشفاً عن الرخصة الواقعيّة منه سبحانه . كما ليس للنصّ دلالة واضحة على شموليّة الشريعة بحيث تكون الوقائع منحصرة في الحالات الثلاث ليفيد الحديث الشموليّة ، بل غاية ما يفيد أنّ الله سنّ حلالًا وسنّ حراماً وسكت عن أشياء ترخيصاً ، لا أنّ كلّ ما سكت عنه فهو ترخيص ، حتى يُنتج الحديثُ الشموليّةَ ، فالحديث لا ينتج الشموليّة ولا عدم الشموليّة ، إلا إذا ادّعى شخص أنّ الحديثَ