حيدر حب الله
235
شمول الشريعة
يحوي إطلاقاً مقاميّاً . لكن لكي يتمّ فهم الميرزا النائيني بالتكملة التوضيحيّة التي ذكرناها ، يجب الاعتقاد بأنّه ليس هناك بأيدينا أيّ دليل عام ينصّ على أصالة الحلّ والإباحة ، وإلا لم يعد هناك شيء مسكوت عنه في هذه الحال ، لكنّ هذا مشروط بكون الدليل على أصالة الحلّ عاماً لغير الشبهات الموضوعيّة من جهة ، ولغير الأعيان الخارجيّة - كالأطعمة والأشربة - من جهة ثانية ، أمّا لو قيل بأنّ أصالة الحلّ مختصّة بهذين الموردين بحسب أدلّتها ، مثل : ( كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال . . - خلق لكم ما في الأرض جميعاً ) فإنّ مساحة المسكوت تبقى قائمة ، وقد تعرّضنا بالتفصيل في مباحثنا في الأطعمة والأشربة لأصالةِ الحلّ ، وقلنا بأنّها غير ثابتة عدا في مثل الشبهات الموضوعيّة وباب الأطعمة والأشربة ونحو ذلك . هذا كلّه ، إلا إذا قيل « 1 » - وليس ببعيد - بأنّ السكوت ترخيصاً يكاد يكون واضحاً في أنّ الله رغم أنّ مصلحة التشريع موجودة عنده ، لكنّه تخلّى عن بيان تشريعه ؛ لأنّه رأى مصلحة في ترك مساحة غير مشرّعة من قبله ، فالترخيص هنا ليس بمعنى الإباحة ، بل بمعنى صيرورة الناس في حلّ من أمرهم في هذه المساحة تجاه المولى سبحانه ، وهذا هو معنى الفراغ الحقيقي . هذا ، وذكر أخونا الفاضل الشيخ علي حبّ الله - حفظه الله - هنا احتمالًا في مفاد كلمة ( تتكلّفوها ) ، وهو أن يكون المراد من النهي عن تكلّف المسكوت عنه هو النهي عن تحريم الحلال وما أحلّ الله « 2 » ، وهذا منسجم مع بياننا لفكرة الميرزا النائيني الذي ينتج أنّ المسكوت ممّا أحلّ الله . لكنّ هذا التفسير لكلمة ( تتكلّفوها ) غير واضح بنظري القاصر ؛ لأنّ تكلّف الشيء كلمة مفيدة في اللغة لحمل كُلفته ، لا لاعتباره - قانوناً - أنّه مُلزم ؛ إذ حمل الكُلفة كما ينسجم مع التحريم والوجوب وإنشاء تشريعٍ إلزاميّ معاكس للحليّة ، كذلك هو منسجم مع الاحتياط وإلزام النفس ، تماماً كما في تحريم النبيّ ما أحلّ الله له مبتغياً مرضاة أزواجه ، وكما في تعهّد الإنسان بشيء لغيره بحيث يُلزم نفسه بذلك ويضعها في كُلفة .
--> ( 1 ) هذا ما طرحه عليّ في مجلس الدرس بعض الأعزّة من طلابي الكرام ، وهو صاحب الفضيلة الشيخ سعيد نورا حفظه الله تعالى . ( 2 ) انظر : علي حبّ الله ، دراسات في فلسفة أصول الفقه والشريعة ونظريّة المقاصد : 421 .