حيدر حب الله

233

شمول الشريعة

وبصرف النظر عن هذه الأحاديث ، صحيحٌ في الجملة من وجهة نظري ، حيث لديّ ملاحظات متواضعة على طرائق بعض الأصوليّين المتكلّفة في مقاربة الأمور واستنطاق النصوص ، وأرى طريقة بعض الإخباريّة أكثر عفويّة وعرفيّة - غير أنّ النصوص العمدة هنا لا علاقة لها بهذا التفسير ؛ وذلك أنّ ظاهر رواية العفو أنّها تتكلّم عن المسكوت ، فهي لا تقصد نفي تكلّف البحث والنظر واستفراغ الوسع بالتأمّل في الأدلّة الممكنة ، بل تقصد عدم حمل كُلفة الأشياء التي سكت الله عنها ، فما سكت الله عنه يريد به رحمتكم والتخفيف عنكم ، فلا تثقلوا كاهلكم بتكلّفه والاحتياط فيه وإلزام أنفسكم به ، وليس المراد : لا تثقلوا أنفسكم بتكلّف البحث عنه ، فإنّ جملة ( لا تتكلّفوها ) راجعة للمسكوت ، أي لا تتكلّفوا المسكوت ، وتحملوا ثقله ، وليس فيها دلالة واضحة على مسألة البحث عنه ، حيث لم يجرِ التعبير ب - ( لا تتكلّفوا البحث عنه ) ، خاصّة على تقدير احتمال صدور النصّ وعدم وصوله إلينا ، وإن كان تعبير عدم تكلّف الشيء يصلح في ذاته لكون المراد منه عدم تكلّف البحث عنه بوصف التكلّف هذا مصداقاً لتكلّف الشيء نفسه ، لكنّ هذا الإمكان الذاتي ليس هو المنسبق للفهم العرفي من دلالة النصوص . وهذا الكلام الذي نسجله نقداً على فهم بعض الإخباريين هنا ، يتمّ لو أخذنا بعين الاعتبار الرواية الشيعيّة لحديث العفو ، وبعض صيغ الرواية السنيّة ، لكنّ بعض الصيغ الأخرى للرواية السنيّة تقف لصالح هذا التفسير الإخباريّ ، مثل تعبير ( وسكت عن أشياء رخصةً لكم ، ليس بنسيان ، فلا تبحثوا عنها ) ، أو ما ورد من النهي عن السؤال فيما لم يصدر فيه نهي وعدم تكلّف الأسئلة ، وإن كان هذا ممّا يُحتمل كونه خاصّاً بعصر صدور الشريعة أيّام النبيّ أو بخصوص غير حالة احتمال وجود النصّ وعدم وصوله ، فلاحظ . ج - نصوص العفو ومساوقة السكوت للحليّة ، استكمال مقاربة النائيني ذهب أمثال المحقّق النائيني ، إلى أنّ مفاد حديث العفو والسكوت الإلهي هو وجود مصلحة الحكم واقعاً ، لكنّ المولى لا يجعله ، انطلاقاً من خصوصيّة التخفيف والرحمة والتسهيل « 1 » . لكن يفترض أن ينتج عن هذا الفهم - أو نُكمله ب - - أنّ الحكم الواقعي النهائي يكون هنا موجوداً ، وهو الإباحة ، غاية الأمر أنّه لولا مصلحة التسهيل وخاصية الرحمة الإلهيّة بالعباد ،

--> ( 1 ) انظر : فوائد الأصول 3 : 60 - 61 .