حيدر حب الله

230

شمول الشريعة

هذا النوع من الأخبار - أخبار العفو والسكوت - استدلّ به الفيروزآبادي لإثبات خلوّ الوقائع من الحكم أحياناً « 1 » ، وقد كان أحد النصوص العمدة للقائلين بنظريّة العفو والفراغ عند أهل السنّة ، ومن أبرزهم الشيخ يوسف القرضاوي ، الذي اعتبر أنّ الفراغ هنا حقيقي ، وأنّ الذي تفيده نصوص العفو هو من السياسات العامّة للشريعة الإسلاميّة ، وأنّ هذه النصوص تؤسّس أصلًا مهماً جعله القرضاوي في بداية بحثه في مسألة مرونة الشريعة ، وأنّه يلزم على المجتهدين ملؤ منطقة العفو هذه انطلاقاً من أصول اجتهاديّة مثل القياس والاستحسان والاستصلاح والمصالح المرسلة والعرف « 2 » . ولعلّ هذه النصوص وأمثالها ساهمت - إذا فهمنا كلامه بشكل صحيح - في خروج الباحث المعاصر علي أكبر رشاد ، وهو يطرح ما سمّاه : الديمقراطية القُدسيّة ، بتقسيم ثلاثي للأحكام ، وهي وفقاً لتسميته : الأحكام المصرّحة المذكورة في الكتاب والسنّة ، والأحكام المستترة وهي الممكنة الاستنباط من الكليّات الدينيّة ، والأحكام المتروكة ، وهي التي تُترك للعقل والتجربة البشريّة ، وإن عاد لاحقاً وسمّى الثالثة بالمباحات ! « 3 » . وبيان الاستدلال بهذه النصوص هنا - بتقريبٍ وتوضيحٍ منّا - أنّ التقسيم الثلاثي أو الرباعي أو الخماسي الوارد في حديث العفو يؤكّد أنّ الحلال شيء والمعفوّ عنه شيء آخر ، فهناك حلال وفرائض ومحرّمات ومعفوّات ، وهذا يعني أنّ المعفوّ عنه ( والعفو يأتي بمعنى الترك لغةً ) منطقة متروكة لم تجعل فيها تشريعات حتى الإباحة ، ممّا يؤكّد أنّ مصلحة التسهيل والرحمة الإلهيّة كانت وراء ترك مساحة من الوقائع غير خاضعة للتكاليف الإلهيّة ، رحمةً وتسهيلًا ، وهذا كافٍ في إثبات عدم شموليّة الشريعة . وقفات تأمّلية مع نصوص : العفو التشريعي ، والإبهام الإلهيّ لابدّ لنا من وقفة مع نصوص العفو والسكوت والإبهام ، وذلك أنّه قد يسجّل على الاستناد لهذه النصوص عدّة ملاحظات نقديّة « 4 » ، وهي :

--> ( 1 ) انظر : عناية الأصول 1 : 430 . ( 2 ) انظر : القرضاوي ، عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلاميّة : 15 - 39 . ( 3 ) انظر : رشاد ، الديمقراطيّة القدسيّة : 79 - 80 . ( 4 ) غيرُ واحدةٍ من هذه الملاحظات النقديّة ، لم ترد من قبل أصحابها - كالخوئي وغيره - في سياق مناقشة