حيدر حب الله

217

شمول الشريعة

وكان هذا ممّا نحتاجه ، فإنّ هذا يعني أنّ بعض مساحات الحياة نحن بحاجة فيها لتحمّل هذه المسؤوليّة ، فيكون هذا مسنوناً في لوح الواقع التشريعي ، وهو ما يساوق خلوّ بعض الوقائع - ولو ضمن اطر زمكانيّة محدودة ومتحرّكة - من جعل الأحكام الدينيّة المباشرة ، والاكتفاء بجعل الحكم الأكثر حاجة ، وهو وجوب جعل البشر للقوانين في هدي الشريعة . ولكي أقدّم صياغة أكثر شموليّة للإشكال يمكنني بيانه بهذه الطريقة : إنّ نصوص الحاجة إمّا أن تكون ناظرة للمشهد في القرن الثاني الهجري ( مشهد شحّ النصوص واللجوء لمعرفة الدين إلى مقاربات عقليّة وبشريّة ) أو لا ، فعلى التقدير الأوّل ، تكون هذه الروايات ناظرة لإثبات شموليّة النصوص وكفايتها ، وعلى التقدير الثاني يأتي إشكالنا المتقدّم آنفاً . وبهذا يمكن تعقّل اشتمال القرآن والسنّة وكتب أهل البيت على جميع ما يحتاجه البشر ، فأمر واحد يحدّد مسؤوليّة البشر في التقنين في مساحات معيّنة ، قد يكون كفيلًا بسطر واحد - مثل آية الشورى بين المؤمنين لو قيل بها - في أن يغطي مساحات واسعة متحرّكة عبر الزمن . بل لو أردنا المزيد من التحليل هنا ، وتفصيله سيأتي في الفصول اللاحقة ، فربما نقول : إنّ الشرع لاحظ أنّ حياة الإنسان تقوم على ثوابت ومتغيّرات ، فعالج الثوابت وأعطى الأطر العامة للمتغيّرات ، ثم ترك خصوصياتها في السياق التحوّلي إلى العقل الإنساني ولم يرَ حاجةً لبيانها ، بل رأى حاجةً للسكوت لكي تُترك هذه الأمور للعقل ، فإنّ من شأن ذلك تكامل العقول الذي هو بنفسه حاجة إنسانيّة أيضاً ، وهذا ما يفسّر غياب العديد من الموضوعات عن التراث الديني مثل تنظيم الشكل الإداري للدولة ودوائرها ومؤسّساتها . بل ربما يقال : إنّ المتغيّر في الحياة الإنسانيّة لا يمكن تغطيته بشكل تفصيلي قبل وعي الإنسانيّة لمآلاته ؛ لأنّ فهم المخاطب للنصّ سوف يكون مستحيلًا عملياً قبل عيشه في سياق الموضوع الذي يحكي عنه النصّ ، فلو تحدّثت النصوص في القرن الأوّل الهجري عن الأحكام المتصلة بالتقنية المعلوماتيّة فلن يتمكّن أحد من فهم ذلك في عصر نزول النص أو صدوره ، وهذه الإشكاليّة الواقعيّة هي التي تفرض على الشريعة من البداية معالجة الثوابت ووضع القواعد التي لها قابلية تغطية المتغيّرات تغطية عامّ ، ثم إيكال الأمر للعقل المؤمن المهتدي بهدي الشرع . وهذا ما ينتج عدم شموليّة الشريعة بالمعنى المدرسي ، بل هو يقرّ بأنّ العنصر الزمني