حيدر حب الله
209
شمول الشريعة
وبعبارة موجزة : إنّ الفقيه السنّي المعتقد بالقياس لا يقول بأنّ القرآن والسنّة ليس فيهما جميع الأحكام ، بل يقول بأنّ طريقة الوصول إلى بعض الأحكام تكون عبر أخذ الأحكام الشبيهة لتسريتها ، فالخلاف ليس في واقع الأحكام ، وإنّما في شكل الوصول إليها أو شكل بيانها في الكتاب والسنّة ، فبعضٌ منها بيّن مباشرةً وبعضٌ آخر بيّن بالواسطة ، أو إنّ بعضها بيّن ووصلنا فيما بعضها الآخر بُيّن ولم يصلنا ، فما هو الربط بين مفهوم الشمول ومفهوم القياس ؟ ! وهذا يعني أنّ ربط عمليّة نقد القياس بفكرة الشموليّة غير منطقي ؛ فإذا قال القائل بالقياس : إنّني أعمل بالقياس للوصول إلى حكم الله عبره ، معتمداً على دليل حجيّة القياس ، فإنّ مثل هذا الشخص لا يُجاب عليه : إنّ الشريعة شاملة ؛ لأنّ هذا الجواب سيكون كمن يجيب القائل بحجيّة خبر الواحد بذلك ! فالقائل بالقياس أو خبر الواحد يتفقان مع غيرهما على شموليّة الشريعة مثلًا ، لكنّهما يختلفان في طريقة الوصول للأحكام الشرعيّة ، فكيف يربط النصّ هنا بين نفي القياس وإثبات شموليّة الشريعة ؟ ! هذا يعني أنّ هدف هذه المجموعة من النصوص هنا ليس إثبات الشموليّة الواقعية للشريعة ، بمعنى ليس إثبات أنّ الشريعة الواقعيّة فيها كلّ شيء ، ثم ربط هذا المفهوم بمسألة القياس ، وإنّما الهدف أمرٌ آخر ، وهو أنّ القضايا والوقائع تجد لها جواباً في الكتاب والسنّة بنصوص تغطّيها مباشرةً ، فحكاية القرآن والسنّة عن الأحكام كلّها هي حكاية متساوية ، لا أنّ بعضها تمّت الحكاية عنه ، فيما بعضها الآخر يفرض استنتاجه استنتاجاً من حكاية القرآن عن البعض الأوّل ، وحكايته عن البعض الأوّل لا تُعدّ في اللغة والعرف حكايةً عن البعض الثاني . وهذا يعني أنّ القرآن والسنّة قد تحدّثا عن جميع الوقائع بحديث لغوي عرفي ، فيما القياس ليس طريقةً عرفية في الحكاية ، ولهذا اضطرّ الآخذون بالقياس إلى أخذ حجيّته من القرآن والسنّة ؛ لأنّه ليس سبيلًا عادياً في الغالب على الأقلّ لفهم مرادات المتكلّم . هذا ، ولابد من رصد معنى القياس وحدوده في القرن الثاني الهجري ؛ لمعرفة ملابسات ومناخات صدور هذا الحديث وأمثاله ؛ لأنّ القياس قد شهد تاريخياً جملة من التحوّلات والتعديلات والإضافات التفصيليّة ، وهذا كلّه يعني أنّ القائل بالقياس قد يعتقد ضمناً بشموليّة الشرع لما يستخدم هو القياسَ فيه ، وإلا لم يكن مضطراً لاستخدام القياس فيما لا نصّ