حيدر حب الله

210

شمول الشريعة

فيه ، بل كان بإمكانه من الأوّل عند فقدان النصّ أن يتحلّل من أيّ مسؤولية تجاه الموضوع الذي لا نصّ فيه ، فاستخدامه القياس شاهد على كونه مسكوناً بمبدأ شموليّة الشريعة لما يقوم هو باستخدام القياس فيه ، وهذا يدلّنا على أنّ هذه الروايات هنا لم تأتِ لتواجه القائل بالقياس من زاوية شمول الشريعة واقعاً لكلّ مرافق الحياة ، بل جاءت لتناقشه في مثل فكرة : « لا نصّ فيه » ، فإنّ استخدام القياس نتيجة عدم وجود نصّ مشكلته افتراض عدم وجود نصّ ، فإنّ هذا الافتراض مغايرٌ لافتراض عدم وجود حكم واقعي ، فالروايات جاءت لهنا لتثبت الوفرة في النصوص مقابل عدم الوفرة ، وليس الوفرة في الأحكام في مقابل العدم ؛ لأنّ القائل بالقياس يذهب نحوه عند عدم توفّر النصوص ، فهذه الروايات تريد تأكيد شموليّة النصوص في حكايتها عن الأحكام ، وأنّها مرجع كافٍ في معرفة الأحكام الشرعية بلا حاجة للرجوع إلى القياس « 1 » .

--> ( 1 ) بناءً على هذا الفهم ، ينفتح تساؤلٌ آخر ، وهو أنّ منهج الاجتهاد الإمامي القائم اليوم ، يمارس هو بنفسه أيضاً مبدأ عدم الوفرة في النصوص ، ويعتقد بأنّ النصوص غير متوفّرة ، لكنّه بدل أن يلجأ إلى القياس لجأ إلى ما أسماه « الأصول العمليّة » ، وهي القواعد التي لا تكشف حكم الله الواقعي في المسألة التي فُقد فيها النص بقدر ما تحدّد الوظيفة العملية حال فقدان النصوص من البراءة والاحتياط والتخيير والاستصحاب وفقاً لما تقرّره أصول الاجتهاد الإمامي اليوم . إذن ، فما هو الفارق في أصل قضيّة الوفرة في النصوص بين القائل بالقياس والقائل بالأصول العمليّة ما داما معاً يحتكمان إلى ما يرونه دليلًا على الحكم الشرعي ؟ ! بل بعض القائلين بالقياس يرى القياس أمارةً ، فيكون حاله أحسن من حال القائل بالأصول العمليّة . يحتاج الجواب عن هذا السؤال إلى كلام طويل ، لكن يمكن أن أشير هنا إلى أنّ منهج هيمنة مبدأ الأصل العملي هو منهج غير صحيح ، وقد أشرنا لهذا الأمر في محلّه ، وأنه لابدّ وأن نكون دائماً منطلقين من منهج هيمنة الأدلّة المحرزة ، كما أن منهج هيمنة الأصول العمليّة مرجعه أحياناً - بما يشبه ما حصل عند أهل السنّة - إلى الرغبة في التعامل مع الأحكام الشرعيّة على أنّها ذات منحى تفصيلي جزئي فرعي ، فيقدّم الفقه بوصفه كماً هائلًا من الحالات الجزئيّة المصطفّة إلى جانب بعضها ، بما يوحي بأنّه كلّما زاد هذا الكمّ كانت زيادته على حساب حجم النصوص المتوفّرة التي توقّف فيها سيل الزيادة وتدفق الكثرة بوفاة النبي صلى الله عليه وآله أو انقطاع عصر النصّ . . ولو صحّت هذه المقاربة لكان معنى ذلك أنّ خللًا أساسيّاً في مناهج الاجتهاد واقعٌ ، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى عند الحديث عن شكل شموليّة الشريعة بسط أكبر لهذا الموضوع .