حيدر حب الله

190

شمول الشريعة

إلا أنّ ذلك غير دقيق ؛ وذلك أنّ مجرّد كون المثال الذي وقع شأناً تفصيليّاً لا يفرض تفسير القاعدة بذلك ، علماً أنّ المثال عينه خاضع للمناقشة ؛ وذلك أنّه من الممكن أنّ الإمام هنا صاغ بنفسه تقنيناً منطلقاً من الحدود ، فالحدود هي ذكر الله في بداية كلّ فعل وحمده على النعمة مثلًا ، لكنّ الإمام أسقط الحدّ على المورد ، وهذا يحتاج لتفصيل ليس هنا محلّه . وبعبارة أخيرة : إنّ فكرتنا تقوم على أمرين : الأمر الأوّل : البعد اللغوي لكلمة الحدّ ، من حيث دلالته على أطراف الشيء ، بحيث يكون ممنوعاً خارجها أو منتفياً ، ومن ثمّ فكلمة الحدّ تعطي دائرة الشيء أو تضييق الشيء إلى مساحة ما . الأمر الثاني : انطلاقاً من ذلك ، هناك فرق بين هاتين الجملتين : الله جعل للشيء حدّاً الله جعل للشيء كلّ حدوده وما يدلّ على الشموليّة هو الجملة الثانية دون الأولى ، ومن ثمّ فالشموليّة مرتبطة بالكليّة المتصلة بالحدّ ، وليست مرتبطة بالكليّة المتصلة بالشيء ( كلّ شيء ) ، وهذا ما ينتج أنّ الله جعل لكلّ شيء حداً ، لكنّ جعل حدٍّ لكلّ شيء ، لا يعني أنّ تمام حدود هذا الشيء في كلّ زمان ومكان قد تمّ جعلها شرعاً ؛ لأنّ التنكير في كلمة ( حدّاً ) ، والمتكرّر في روايات الحدّ لا يسمح بفرض الشمولية في حدود الشيء كلّها ، ما لم نكن مسكونين مسبقاً بفكرة الشموليّة . ويتأيّد ما نقول بأنّ نفس التعبير بأنّ من تعدّى الحدّ فله حدّ ، كاشف عن أنّه ليس المراد بالحدّ هو الحكم ، وإلا لشمل الإباحة والتعدّي عنها في مقام العمل ، مع أنّ ذلك لا يوجب عادةً عقوبةً أو أثراً . الرواية السادسة : خبر أبي بصير ، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : « ليس شيءٌ إلَّا وله حَدٌّ » . قال : قلت : جُعِلْتُ فِداك ، فما حَدُّ التوكّل ؟ قال : « اليَقِين » . قلتُ : فما حدّ اليقينِ ؟ قال : « ألّا تَخَاف مع اللَّه شَيئاً » « 1 » . فهذا الحديث يجعل لكلّ شيء حداً ، فيكون مساوقاً لشموليّة الشريعة ، ويعني أنّ لكلّ شيء

--> ( 1 ) الكليني ، الكافي 2 : 57 ؛ والإسكافي ، التمحيص : 61 ؛ والحراني ، تحف العقول : 361 .