حيدر حب الله

171

شمول الشريعة

الغيب موجود في هذه الصحف ، غاية الأمر أنّهم إذا أرادوا علموا ، وذلك عبر الرجوع إلى هذه الصحف والكنوز التي عندهم . لكنّ هذه المحاولة غير موفّقة ، فالمفروض أنّ هذه الكتب أخذوها إما من الملك أو من الرسول ، والمفروض أنّه قد حصل لهم أو لبعضهم علمٌ بها ، فلا يستقيم القول بأنّ علمهم هنا ليس بحاضر أوليس بحاصل ، لو أصرّينا على دلالة هذه النصوص . ب - محاولة فهم آخر لفكرة العلم بما كان وما سيكون إنّ صحيحة أبي بصير ( رقم : 1 ) ، تقدّم فهماً آخر لجملة ( العلم بما كان ويكون إلى يوم القيامة ) ، يمكنه أن يرفع معارضة هذه النصوص للكتاب والسنّة ؛ وذلك أنّها تجعل العلم بذلك مختلفاً عن العلم بالتفاصيل ، حيث جاء فيها : . . إنّ عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ، قال : قلت : جعلت فداك هذا والله هو العلم ، قال : إنّه لعلم وليس بذاك . قلت : جعلت فداك فأيّ شيء العلم ؟ قال : ما يحدث بالليل والنهار ، الأمر من بعد الأمر ، والشيء بعد الشيء ، إلى يوم القيامة » « 1 » . فهذه الرواية توحي - إذا لم ندّعِ أنّها تعاني من تهافت داخلي - وكأنّ علمهم الأوّل لم يكن للوقائع الحادثة تلو الأخرى ، وهذا ما قد يجعلنا نفسّر تلك الجملة المشهورة بأنّهم يعلمونها بالإجمال بنحو العلم بقوانين الاجتماع والتاريخ ، لا بنحو العلم بكلّ واقعة علماً مباشراً بها ، وكأنّه يقدرون على تحديد المنعطفات والمرتفعات والمنخفضات وقراءة المستقبل في مساراته الكليّة لمئات السنين أو آلاف السنين القادمة ، عبر محاسبات ومعرفة عُليا منحوها . وإذا أخذنا بهذا التفسير ، فمن الممكن هنا أن يكون المراد من وجود علم لديهم بكلّ ما يحتاج إليه الناس هو بهذا النحو بحيث يكون في هذه الصحيفة القواعد والمعايير لمعرفة الحقّ والباطل والسلوك الحسن وغيره ، فيقوم أهل البيت باستخدام هذه المعايير الكليّة لإصدار أحكام موضعيّة مورديّة من قبلهم تكون مطابقة للحقّ ، ولو لم تكن في نفسها وحياً إلهيّاً وشريعةً ربّانية ، وهذا ما يفسّر عقلانيّاً إمكانيّة اشتمال بضعة كتب قليلة على كلّ هذه العلوم ، حيث إنّ ذلك يبدو غير معقول ، كما سنشير .

--> ( 1 ) الكافي 1 : 239 - 240 ؛ وانظر : بصائر الدرجات : 163 .