حيدر حب الله

106

شمول الشريعة

لكنّ كلا هذين التوجّهين غير صحيح ؛ فليست كلّ العلوم دينيّةً حتى لو كانت تبحث عن خلق الله الراجع للفعل الإلهي ، فهذا لا يصيّرها دينيّةً ، والبحث في هويّة العلم الديني موضوعٌ طويل جداً ، نكله لمباحث فلسفة الدين والكلام الجديد . وليس كلّ ما ذكره القرآن فهو دين أو شرع ، بل قد يذكر ما هو مجعول شرعي أو عقيدة دينيّة ، وقد يذكر أموراً واقعيّةً حقيقيّة ( في الفعل أو التكوين ) لخدمة المجعول الشرعي أو العقيدة الدينيّة ، كتوصيفه السماوات والأرض ، فهذا التوصيف حقّ لكنّه ليس بدين ، نعم تصديق القرآن في توصيفاته واجبٌ شرعيّ ، لكنّ هذا لا يعني أنّ نفس توصيفاته هي دين ( أترك تفصيل هذه النقطة لمباحث فلسفة الدين والكلام الجديد ، وكذلك مباحث اللغة الدينيّة عموماً ، وأكتفي بهذا القدر ) . وهذا كلّه يعني أنّ عليَّ مراجعة النصّ الديني والقرآني ، فما ظهر أنّه بُيّن بوصفه تكليفاً شرعيّاً أو حقيقةً عقديّة ، أخذتُ به ، وما لم يظهر لي ذلك لا أستطيع أن أقول - بنحو القاعدة المسبقة المسقطة من الأعلى - بأنّ القرآن قد قدّمه حقيقةً دينيّة ، حتى لو لم أره بنفسي ، بل يمكن أن يكون قد قدّمه بوصفه حقيقةً واقعيّة أعمّ من الدينيّة وغيرها ، فبحثنا في الشريعة الشاملة التي تستبطن مفهوم جعل قانوني شرعي إلهيّ لكلّ الوقائع ، لا في أصل الحسن الذاتي لهذا الفعل أو غيره في كلّ واقعة ، فهذا لا يلازم الجعل التشريعي ، كما قلنا سابقاً في إطار مناقشة مداخلة المحقّق النراقي والشيخ لاريجاني ، فراجع . وهذا يفيد أنّ القرآن ربما تحدّث عن أحكام العقل والتجربة الإنسانيّة ، وأمرنا باتّباع عقولنا وبيّن لنا ماذا تحكم عقولنا دون أن يقول بأنّ حكم عقلنا هو مجعول شرعيّ ديني له ، بل المجعول الشرعي الوحيد هو وجوب اتّباع أحكام عقولنا القائمة على التجربة الإنسانيّة والقيم الفطريّة ، فسلوك الإنسان يوجّه دينيّاً من خلال النصّ والعقل معاً . وهذا كلّه إذا لم نقبل الملازمة بين الحسن والقبح أو بين العلم بالمصالح وبين الإرادة الإلهيّة ، وإلا لزم أن يكون القرآن مبيّناً لتلك الإرادة في الأفعال ، وهو كاشف عن دينيّة الموقف فيها ، لكنّه قد سبق منّا المناقشة في هذا كلّه . والذي نفهمه من جملة المقاربات التي تقدّمت أنّ القرآن الكريم قد اشتمل على مجمل القضايا الدينية المرتبطة بهداية البشر إلى الله تعالى ، وأنّ ذلك لا يمنع عن وجود بعض الأمور