حيدر حب الله

184

دروس تمهيدية في تاريخ علم الرجال عند الإمامية

علم الرجال والجرح والتعديل ، كما سيأتي إن شاء الله ، وهذا لا يضرّ بقيمة الحديث أو علم الرجال الإمامي ؛ لأنّه لا يدلّ على أنّ الإماميّة في القرون الخمسة الهجرية الأولى لم يعملوا في نقد الرجال ، وإنّما يدلّ على أنّ هناك فترة راكدة في البحث الرجالي وقعت بين نهايات القرن الخامس وأواسط القرن السابع ، وأغلب العلوم الإسلاميّة عند المذاهب شهدت فترات ركود وفترات نشاط كما هو معروف ، وليس هذا بالأمر الغريب . أمّا إذا قصد أنّ الإماميّة لم تعرف البحث في الرجال منذ أن وجدت وحتى ابن طاووس ، فهذا باطل قطعاً ؛ لأنّ هذا التحليل من النوري المتوفى عام 1320 ه - يناقض صريح كلام الطوسي ( 460 ه - ) الذي قال فيه : « ومما يدلّ أيضاً على صحّة ما ذهبنا إليه ، أنّا وجدنا الطائفة ميّزت الرجال الناقلة لهذه الأخبار ، ووثقت الثقات منهم ، وضعّفت الضعفاء ، وفرّقوا بين من يعتمد على حديثه وروايته ، ومن لا يعتمد على خبره ، ومدحوا الممدوح منهم وذمّوا المذموم ، وقالوا فلان متهم في حديثه ، وفلان كذاب ، وفلان مخلط ، وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد ، وفلان واقفي ، وفلان فطحي ، وغير ذلك من الطعون التي ذكروها ، وصنّفوا في ذلك الكتب ، واستثنوا الرجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارسهم ، حتى إنّ واحداً منهم إذا أنكر حديثاً نظر في إسناده وضعّفه برواته . هذه عادتهم على قديم الوقت وحديثه لا تنخرم . . » « 1 » . فنصّ الطوسي وثيقة مخبِرة عن واقع معاصر وقريب منه ، بينما كلام النوري منذ مائة عام من اليوم فقط - وهو من علماء الإخبارية المعارضين عادةً لعمليات النقد

--> ( 1 ) الطوسي ، العدّة في أصول الفقه 1 : 141 - 142 .