حيدر حب الله
473
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
د - وقد يراد مطلق تقديم المال للغير لكن بقصد القربة ، أو الإحسان للغير بقصد القربة ، سواء كان هذا الذي يقدّم للغير زكاةً أو وقفاً أو صدقة مستحبّةً أو خمساً أو إبراءً من دينٍ أو غير ذلك ، فعنوان الصدقة هنا اخذ في مقابل مطلق الزكاة والوقف والعطاء ، حيث عنى العطاء القربيّ ، وقد تحوّلت الصدقة في الثقافة الفقهيّة إلى هذا المعنى ، حيث باتت تنصرف في الفقه إلى العطاء القربيّ أكثر من انصرافها إلى محض الخمس والزكاة والوقف وغير ذلك ، ولهذا تجد أنّ بعض الفقهاء « 1 » ، يضعون باب الصدقة مستقلًا ملحقاً بعنوان الوقف ؛ لأنّ الصدقة هناك تنصرف إلى العطاء القربيّ . بل نجد الكثير من العناوين التي تميّز الصدقة عن الزكاة والوقف وغيرها ، في كتب الحديث والفقه فليراجع « 2 » . بل قد يؤيّد ما نقول ببعض الروايات التي اعتبرت أنّ الصدقة مفهوم محدَث أسّسته الثقافة الإسلاميّة ، وأنّ العرب قبل ذلك ما كانوا يعرفونها ، إذ من الواضح أنّ الصدقة بالمعنى اللغوي المحض كانت معروفة للعرب ، بينما الذي لم يكن معروفاً هو الصدقات القربيّة لله تعالى ولو كانت للغنيّ ، فقد ورد في صحيحة زرارة ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله قَالَ : « إِنَّمَا الصَّدَقَةُ مُحْدَثَةٌ إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ يَنْحَلُونَ وَيَهَبُونَ ولَا يَنْبَغِي لِمَنْ أَعْطَى لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئاً أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ . . » « 3 » . فهذا يعني أنّ مفهوم العطايا القربيّة ولو داخل الأسرة هو مفهوم لم تكن تعرفه العرب ، وقد أسّسته الثقافة الإسلاميّة ، ممّا يؤكّد أنّ مصطلح الصدقة أخذ معنى جديداً عند العرب بعد الإسلام ،
--> ( 1 ) انظر - على سبيل المثال - : الخوئي ، منهاج الصالحين 2 : 255 - 257 . ( 2 ) انظر - على سبيل المثال - : الكليني ، الكافي 7 : 30 ، حيث عنون البابَ بقوله : بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ وَالنُّحْلِ وَالْهِبَةِ وَالسُّكْنَى وَالْعُمْرَى وَالرُّقْبَى و . . ( 3 ) الكافي 7 : 30 .