حيدر حب الله
474
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
وأنّ هذا المعنى هو العطاء القربى لله تعالى وأنّ من آثاره عدم جواز الرجوع في هذا العطاء . وهذا كلّه يؤكّد أنّ إطلاق الصدقات على الزكاة يحتمل أن يكون إطلاقاً لغويّاً فقط ؛ لأنّه يستبطن عطاءً خيريّاً ، بينما إطلاق الصدقة بمفهومها الحادث المشتهر في الثقافة الإسلاميّة هو إطلاق مستجدّ . وهنا قد يقال : لا يراد في الحديث الصدقة بالمعنى الفقهي المصطلح اليوم والذي يدلّ على التصدّق على شخص بقصد القربة إلى الله ، إذ لو كان هذا المعنى هو المراد من الصدقة في الحديث ، لكان الحديث لغواً وتكراراً ، كالقضيّة بشرط المحمول على حدّ تعبير المناطقة ، إذ المعنى بناء عليه هو : لا إنفاق بقصد القربة إلا أن يكون بقصد القربة ! لكنّ هذا الكلام غير كافٍ ؛ لاحتمال أن يراد من الصدقة ذلك المال الذي يدفع وتترتّب على دفعه بعض الآثار الخاصّة ، كعدم جواز الرجوع فيه ، فيكون الحديث بصدد بيان أنّ هذا المال الذي لا يجوز الرجوع فيه ، واستُخدم تعبير الصدقة في حقّه ، إنّما هو الذي يُدفع لوجه الله ، لا مطلق التصدّق والإنفاق على الفقراء والمساكين . وهذا يعني أنّه يحتمل إرادة الزكاة والوقف ، كما يحتمل أن يراد ما يلي : هناك مفهوم اسمه الصدقة في الشرع تترتّب عليه بعض الآثار الفقهيّة ، كعدم جواز الرجوع فيما أعطي ، وهذا المفهوم لا يتحقّق إلا إذا أريد مما أعطي وجه الله سبحانه ، وعليه فلا يكون الحديث مشترطاً للقربة في الزكاة أو الوقف جزماً ، بل مشترطاً لقصد القربة في كلّ عطاء تترتب عليه آثار الصدقة الشرعيّة المعروفة . فالصدقة عنوان يطلق على ثلاثة مسمّيات متفرّقةً : الزكاة ، والوقف ، والعطاء