حيدر حب الله
449
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
وتناقَش هذه الأدلّة بأمور : أولًا : إنّ أفعال بعض الصحابة ، وهم قليلو العدد جداً ، لا تكشف عن رخصة شرعية حاسمة ، فلعلّه كان ذلك اجتهاداً منهم ، حيث ظنّوا أنّ الحرمة تختصّ بالشابة أو بحال كون المصافحة موجبةً للشهوة أو مظنّتها ، فوجدوا أنّ مصافحة أو ملامسة العجوز لا يضرّ بالأمر ، ومن ثمّ فاجتهادهم لا يكفي دليلًا نهائيّاً في المقام . نعم ، ينفع هذا الاجتهاد في تعزيز القوّة الاحتماليّة للنظريّة المقصديّة ، كما أشرنا إلى ذلك هناك قبل قليل . ثانياً : إنّ ما نقل عن أبي بكر لا يفيد ، فلعلّ مصافحته للعجائز في تلك القبيلة التي استرضع فيها كانت لكونهنّ قريباته بالرضاع ، إمّا أمّاً أو أختاً أو خالةً أو عمّة ، ومن ثم ففعله غير واضح في منطلقاته حتى نحكم بقاعدة عامّة ، كما أنّ الزبير كان مريضاً فلعلّه كان مضطراً ، والأفعال أدلّة صامتة يؤخذ فيها بالقدر المتيقّن . ثالثاً : إنّ نصوص البيعة وأنّ النبي لم يمسّ يد امرأة تحرم عليه قط ، تضعف هذه المعطيات هنا في حقّ النبيّ ، ما لم نقل بأنّ مصافحة العجائز كانت النصوص والوعي المتشرّعي منصرفين عنها ؛ لوضوح جوازها ، ومن ثمّ فلا تنافي تلك النصوص ما نحن فيه هنا . يُشار إلى أنّه من المعروف أنّ عائشة نفت ملامسة النبي ليد امرأة ، واعتبرت من يقول ذلك إنّما يقول فريةً ، ويفتري على النبي . رابعاً : لقد شكّك غير واحد من كبار المحدّثين في أصل صحّة قصّة الزبير وأنّه كانت تأتيه امرأة عجوز تغمز رجليه وتفلي رأسه ، وكذلك حديث أنّ أبا بكر كان يصافح العجائز « 1 » . بل ناقش بعضهم في وجود حديث مصافحة النبي للعجائز . وقد
--> ( 1 ) راجع : الدراية في تخريج أحاديث الهداية 2 : 218 ؛ ونصب الراية 6 : 128 .