حيدر حب الله

308

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

- ضلالًا ؟ فلاحظ جيداً . فالأمر مجرّد تشخيص من الفقيه وليس فتوى ، ولا وجه لكونه ملزماً وفقاً للصورة التي رسمناها ، وإن كانت الفتوى هذه أو البيان هذا ، حقاً من حقوق الفقيه ؛ لأنّه يرى أنّه يحمي المؤمنين من الهلاكة والانحراف انطلاقاً من تشخيصه ، لكنّها فتاوى أو بيانات إرشاديّة توجيهيّة لا تُلزم المكلّف في مجال التشخيص ، فمثلًا لو قال الفقيه : إنّ كتب فلان هي كتب ضلال عقائدي ، أو إنّ كتب التيار الفكري الفلاني هي كتب ضلال ، فما هو الملزم لاتباع قوله ما دام لا يوجد تقليد في العقائد أو الأفكار ؟ وكونه من أهل الخبرة لا يكفي ، إذ يعارضه الخبراء الآخرون الذين ذهبوا إلى عكس قوله من علماء الأديان والمذاهب والفرق والتيارات الأخرى ، فما لم يرجّح المكلّف بنفسه فلن يكون قول الفقيه ملزماً له إلا بالكبرى ، والتي هي وجوب حفظ نفسه من الضلال عن الحقّ والانحراف والغواية ، والمفروض أنّ هذه الكبرى يدركها بعقله العملي بلا حاجة لفتوى الفقيه . ومثل هذا موجود في بعض المسائل الفقهية كأصل مسألة التقليد التي يرجع فيها الناس للتقليد ، بل وكذا تقليد الأعلم أيضاً ، فإنّها أمور لا معنى لحجيّة التقليد فيها كما تعرّضنا له في بعض المواضع من كتابنا المتواضع ( إضاءات ) . وأشير أخيراً إلى أنّه قد يحاول بعض الباحثين المعاصرين الاستناد إلى التحريم القرآني في مجالسة الذين يسخرون بآيات الله حتى يخوضوا في حديث غيره ، وادّعاء أنّ هذا الحكم يشمل مطالعة الكتب أو النشريات أو المنشورات التي تهزأ بالدين وتسخر منه . وهذا غريب ؛ فإنّ مجرّد المطالعة لا يعبّر عن إقرار كما قلنا سابقاً ، ولا يعبّر ترك المطالعة عن موقف دائماً ، بخلاف ما جاء في الآية فإنّه يعبر عن موقف من الكافرين الذين يمارسون السخرية بالدين في مواجهته ، فالتعدية قياس ظنّي باطل ،