حيدر حب الله

307

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

وتركه لما هو عليه لأجل هذه الكتب ، ففي هذه الحال لا يحتمل الضرر إذاً حتى يأمره العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل ، فهو أمام أمرين : إمّا لن يتأثر بهذه الكتب فلا احتمال عنده للضرر حتى يجب دفعه ، وإما سوف يتأثر بها ، وهذا معناه أنّه هو الآن على ضلال ، فكيف نحرّم عليه البحث دفعاً للضرر ؟ ! نعم ، يحتمل أن يتأثر بها لا من باب القناعة بل من باب آخر ، وهنا غايته إلزامه تكليفاً بأن يتمحّض للبحث العلمي والتقييم العلمي لهذه الكتب ولا ينجرّ عاطفيّاً ، فإذا ضلّ عوقب على هذا ، ويعاقب - نتيجة سوء اختياره - على الضلال ، وإلا فبأيّ وجه سيمنعه عقله من البحث . بل لو صحّ هذا ، لما جاز للكافرين من اليهود والنصارى والمجوس ، وكذا لأهل المذاهب الأخرى ، وكذا لأهل المقالات الأخرى داخل المذهب الواحد . . لما جاز لهم أن يطالعوا كتب الحقّ ؛ لأنّهم حال إرادتهم المطالعة سيُلزمهم عقلهم بالحرمة دفعاً للضرر المحتمل ؛ لأنّ المفروض أنّهم يرون ما هو الحقّ الواقعي ضلالًا ، فهل يُلتزم بذلك ؟ ! ألا تكشف طريقة معالجتنا المدرسيّة للموضوع أنّ هناك مفارقات فيه . والمتحصّل أنّه يجوز للإنسان مطالعة أو الاطلاع على الضلال شرط تقويم سلوكه الذاتي ، بحيث يروّض نفسه على التعامل الموضوعي مع الأفكار ، فإذا بنى على ذلك وجهّز نفسه لم يحكم عقله عليه بحرمة الاطّلاع ، لا سيما لو كان شاكّاً حقيقةً بالأمور . ومن ذلك يُعلم أنّ عقل الإنسان نفسه هو المرجع هنا ، لا عالم الدين الذي اختار لنفسه إيماناً خاصّاً ، فمن زاوية عالم الدين يحقّ له الإفتاء بالحرمة ، لكنّ هذا الإفتاء لا يمكنه أن يصادم واقع ما يحكم به العقل من زاوية الفرد نفسه ، فلو كان شاكّاً في الحقّ كيف يمكن أن يحكم العقل عليه بحرمة الاطلاع على ما يراه غيره - وهو مرجع الدين