حيدر حب الله
248
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
لهويّ لا فائدة منه حراماً لأجل إضلال الناس ، ويستحقّ صاحبُه عليه العذاب ، فأيّ كتاب أو نشريّة أو برنامج تلفزيوني يشتمل على ذلك فهو مشمول للآية الكريمة . لكن لو تأمّلنا الآية الكريمة ، وصرفنا النظر عن أسباب النزول ؛ لضعفها التاريخي ، أو أخذناها بعين الاعتبار ، سنجد ما يلي : أولًا : إنّ الآية الكريمة تحرّم ترويج الضلال ولهو الحديث ، ولكنّها لا تحرّم حفظها أو السماح بها مع ردّها علميّاً أو الاستماع إليها أو مطالعتها أو شرائها أو ما شابه ذلك ، فالمفهوم الذي تقدّمه الآية الكريمة مفهوم محدّد يمثل حكماً تكليفياً للشخص نفسه ، ولا يحدّد موقف الآخرين تجاهه أو تجاه ما يروّج له . ثانياً : إنّ قيد ( لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) ، يفرض علينا تحديداً آخر ؛ لأنّ هناك فرقاً بين الشخص يكتب كتاباً وينشره بقصد إضلال الناس ، وآخر لا يكتبه بهذا القصد ، بل يكتبه لغرضٍ يراه هو صحيحاً ، كأن يجتهد فيرى قضيّةً كلاميّة ما حقاً ، ويكون اجتهاده مخطئاً ، فمثل هذا الشخص لا يصحّ أن نقول فيه بأنّ غرضه إضلال الناس ، وأنه يفعل ذلك ليضلّ عن سبيل الله ، فغرضُ الفاعل له تأثير هنا في الحكم عليه بالعذاب ، وإلا كان معذوراً ، ولمّا رتّبت الآية عليه العذاب المهين لزم الشكّ في شمول دلالة مطلعها على مطلق الإضلال ولو بنحو الاشتباه المعذور فيه ، الأمر الذي يفرض علينا الأخذ بالقدر المتيقّن من دلالة الآية وهو : إضلاله الناس حال كونه غير معذور ، وإلا شمل الحكم الكثير من الفقهاء والمتكلّمين والأصوليّين والإخباريين والمفسّرين ، لاسيّما الذين يختلفون فيما بينهم في قضايا كبرى مؤثرة في الفهم الديني عامّة . ثالثاً : إنّ قيد ( وَيَتَّخِذَها هُزُواً ) يبيّن لنا قسماً آخر من الصورة ، فالضمير في