حيدر حب الله

249

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

« ويتّخذها » يرجع إلى « سبيل الله » ، فيكون المعنى : إنّ من يشتري لهو الحديث يريد إضلال الناس ، ويهدف أيضاً وضع ( سبيل الله ) في موقع الاستهزاء والتحقير . . . وهذا معناه أنّ السياق عدوانيٌّ ، فهو هنا لا يطرح أفكاره في مناخ بحث علميّ ، أما من يطرح أفكاره في مناخ بحث علمي بقصد إثبات شيء وإبطال شيء ، دون أن يدخل في سياق الاستهزاء والتحقير ، فليس داخلًا في دلالة الآية الكريمة . رابعاً : لو توقّفنا قليلًا عند قيد ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) ، لنفهم المراد منه ، فسوف نجد أنفسنا أمام احتمالين في تفسيره : الاحتمال الأوّل : أن يكون المراد بالعلم ما نفهمه اليوم من الكلمة ، والذي يقابله الجهل وعدم العلم ، فيكون المعنى هكذا : من الناس من يشتري لهو الحديث ليضلّ الناس وهو لا يعلم ذلك ، فيكون جاهلًا بأنّه يُضلّ الناس ؛ لأنّ كلمة ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) يرجع الجار والمجرور فيها إلى ( يُضِلَّ ) ، فيكون المعنى : يضلّ وهو جاهل ، أو يُضلّ وهو لا يدري أنّه يُضلّ . وهذا المعنى يبدو غير منسجم مع القواعد المقرّرة عقليّاً ونقلياً في الثواب والعقاب ، فإذا كان هذا الشخص لا يعلم بأنّ ما يشتريه هو ضلال ، ولا يعلم أنّه يضلّ الناس بذلك ، فكيف يترتّب العذاب في حقّه بلا أيّ قيد ؟ والمفروض أنّه جاهل ولا تكليف على الجاهل ، ولهذا يمكن فرض استبعاد هذا الاحتمال كما ذكره بعض الفقهاء المعاصرين « 1 » . الاحتمال الثاني : ما طرحه بعض المعاصرين من أنّ المراد بهذا القيد : من غير وعي ، بل عن سفاهة وهوى ، فكلّ من يفعل ذلك منطلقاً من قلّة وعيه ومن هواه وسفاهته ،

--> ( 1 ) يوسف الصانعي ، مقاربات في التجديد الفقهي : 68 .