حيدر حب الله
246
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
بعض الأمثلة نجزم بدخولها في المفهوم هنا كإنكار وجود الله مثلًا ، فهذا لا يمنحنا معياراً ومقياساً يمكن اتّباعه من الناحية القانونية ، لهذا حذفنا هذا العنوان من دراستنا هذه ، واستبدلنا الموضوع بعنوان ( حريّة الإعلام الفكري والثقافي ) . وأعتقد بأنّ هذه المفاهيم ، مثل الضلال والبدعة وغيرها ، تمّ استغلالها بطريقة هلاميّة غير واضحة من قبل بعض التيارات الدينية والسياسية في التاريخ الإسلامي ؛ لتصفية الحساب مع الأقليّات الدينية والمذهبيّة والفكريّة ، لا سيما مثل المعتزلة والشيعة والصوفيّة والفلاسفة ، الأمر الذي زاد الموضوع ضبابيةً وغموضاً في مفهومه وحدوده عبر التاريخ . وقد رأينا أنّه كيف ألّف الحنابلة وغيرهم الكتب وأصدروا الفتاوى في تحريم كتب علم الكلام بوصفها رمزاً لكتب الضلال ، وها هو ابن قدامة المقدسي يؤلّف رسالته المشهورة ( تحريم النظر في كتب الكلام ) ، الأمر الذي أوصل إلى حوادث إحراق كتب الفلسفة علناً ، في قضايا مشهورة مشهودة في التاريخ الإسلامي ، يعرف بعضها كلّ من اطّلع على تاريخ حياة الإمام الغزالي والفيلسوف ابن رشد وغيرهما . إنّ تحريم النظر قرار حاسم اتخذه العديد من الفقهاء المسلمين ، فلنلاحظ هذا النصّ للبهوتي وهو يقول : « ولا يجوز النظر في كتب أهل الكتاب نصّاً . . ولا النظر في كتب أهل البدع ، ولا النظر في الكتب المشتملة على الحقّ والباطل ، ولا روايتها ؛ لما في ذلك من ضرر إفساد العقائد » « 1 » . ومن هنا أفتى الشاطبي بتحريم قراءة بعض كتب أبي طالب المكّي ؛ لما فيها من شطحات الصوفيّة ، وحرّم ابن حجر على غير الراسخين في العلم النظر في هذه الكتب ، وهو ما فعله كثيرون منهم بعض المنفتحين اجتهاديّاً
--> ( 1 ) كشاف القناع 1 : 525 - 526 .