حيدر حب الله
201
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
لكن من الضروري أن نعرف هنا أنّ الفقه الذي يقع موضوعاً لعلم فلسفة الفقه هو : أولًا : العلم الذي يبحث في الشريعة ، وليس الشريعة نفسها ، فنحن لا ندرس في فلسفة الفقه الشريعةَ الإسلامية التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإنما الذي يدرسها هو علم الفقه أو غيره ، محاولًا اكتشافها أو رصد أسرارها وخفاياها . ومن ثمّ ، ففلسفة الفقه ترصد الفقه بوصفه مجموعةً متراكمةً من الجهود البشرية التفسيرية التي عملت خلال قرون على اكتشاف الشريعة وفهمها وتحليلها وقراءتها من زوايا متعدّدة . وهذا يعني أنّ موضوع فلسفة الفقه ليس هو الفقه الصحيح ، بل مجموعة الدراسات الفقهيّة التي تحتوي الصواب والخطأ معاً ، ولا ينحاز علم فلسفة الفقه - من حيث منطلقات البحث - للصواب أو للخطأ في تلك النظريّات الفقهيّة ، بل يرصدها على معيارٍ واحد ، وإن أمكن - كما سيأتي - أن يكون له دورٌ لاحق مساعد في التصويب والتخطئة . وحتى لو تناولت فلسفة الفقه الرؤية الصحيحة للفقه من وجهة نظر فيلسوف الفقه نفسه ، فإنها لا تأخذها من زاوية الصحّة أو بوصف الصحّة ، بل تأخذها بوصفها جهوداً بشرية علميّة . وبهذا التمييز بين الفقه والتشريع يمكن أن نعلّق بالنقد على من كتب في تاريخ الفقه الإسلامي تحت عنوان تاريخ التشريع ، فإن قصد بالتشريع المعنى المصدري لما صحّ له أن يأخذ القرون اللاحقة ، أما إذا قصد المعنى المفعولي ، أي تاريخ التشريعات الإسلامية في تعاطي الفقهاء معها مثلًا كان كلامه صحيحاً ، فالتمييز بين الشريعة