حيدر حب الله
116
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
من حيث التطبيق ، عنيت تطبيق الآيات على مصاديق معيّنة في عصر النص واتخاذ موقفٍ من هذه المصاديق تبعاً لدلالة الآية ، كما في أسباب نزول آية التطهير أو آية الولاية أو آية إكمال الدين أو آية البلاغ أو غير ذلك مما يكرّس مفهوم الإمامة من وجهة النظر الشيعية مثلًا ، فتكون معرفة أسباب النزول لصالح توظيف الآية في خدمة السبب ، لا توظيف السبب في خدمة فهم الآية ، فأيّ من الخطّين يعطيه التعرّف على أسباب النزول ؟ من الواضح أنّ فكرة التطبيق تشكّل مقداراً مؤكّداً لخدمات معرفة أسباب النزول ، لكنّ السؤال يدور حول التفسير ، فهل يساعد موضوع أسباب النزول في تفسير القرآن وفهمه ؟ توجد هنا نقطتا ارتكاز متباينتان ، لا بأس بالإشارة إليهما : 1 - نقطة ارتكاز ترى ارتباط القرآن بوصفه ظاهرة زمكانيّةً حاصلة في التاريخ وموجوداً حادثاً وليس بقديم ، وتعتقد هذه الرؤية بأنّ القرآن والتاريخ المحيط يشكلان ثنائياً لا ينفكّ ، فلا يمكن فهم القرآن دون وعي مبرّرات النزول ودون فهم السياق التاريخي العام للعرب وغيرهم في عصر النزول ، فالقرآن في نزوله هو كالحديث في صدوره ، فكما أنّ سؤال السائل يساعد - في الجملة على الأقلّ - في فهم جواب المجيب ، كذلك الحال في سبب النزول والسياق التاريخي العام يساعدان أيضاً في فهم الجواب القرآني أو العلاج القرآني النازل ، ومن ثم فلا يمكن فهم القرآن - في كثيرٍ من آياته على الأقلّ - دون فهم المحيط التاريخي . وهذا المحيط التاريخي علينا اكتشافه من الحديث وروايات أسباب النزول تارةً ، ومن كتب التاريخ - وتاريخ العرب خاصّة - أخرى ، ومن تحليل النصّ القرآني ثالثة .