حيدر حب الله
117
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
2 - نقطة ارتكاز ترى أنّ القرآن الكريم حيث إنه كتاب سماوي للخلائق أجمعين إلى يوم الدين ، وحيث إنه بيان ونور وتبيان وعربي مفصح ومعبّر ، فلا يمكن أن يكون بياناً لزمان النزول ؛ لأنّ المخاطبين آنذاك يدركون الملابسات المحيطة ، ولا يكون بياناً لما بعد هذا العصر بحيث تسقط منه قرائن البيان التاريخية والنزولية ويغرق شيئاً فشيئاً في الإجمال . وهذا يعني أنّ عناصر البيان موجودة في القرآن نفسه ، وأنّ أيّة معلومة تاريخية وإن ساعدت في وضوح الصورة إلا أنّها لا تشكّل أساساً في فهم الآية ، فالآية كيانٌ مستقلّ له بياناته حتى لو ذهبت كلّ المعطيات الحافة ، وإنما أسباب النزول تنفع في الفهم التاريخي للآية دون الفهم الدلالي لها ، وتنفع في التطبيق لا في التفسير . إلا أنّ وجهة النظر الثانية لا يبدو أنها تقوم على دليل علميّ قاطع ، فكما أنّ القرآن يعتمد على اللغة ونحن نتصارع اليوم لفهم المفردة أو دلالة الهيئات التركيبة لنفهم الآية ، ولا يضرّ ذلك ببيانية القرآن ، واللغة التي نبحث عنها هي في نهاية المطاف كائنٌ في التاريخ ، كذلك الحال في أسباب النزول والمحيط التاريخي العام الذي اعتمدت عليه الآيات كقرائن حافة وشواهد سياقية . نعم ، عندما يعتمد القرآن على الجزئيات التاريخية المحيطة به بحيث يصبح كلّه كذلك ، وهي جزئيات تتلاشى تاريخياً عادةً ، وعندما تكون دلالات القرآن كلّها رهينة التاريخ الجزئي ، بحيث لا يقدر النصّ لوحده أن يعبّر عن شيء ، فهنا قد ندخل في مشكلة البيانية أيديولوجياً ، لكنّ الحال ليست كذلك أبداً . إنّني أعتقد أنّ فهم أسباب النزول تساعد في بعض الأحيان في التفسير وإن كانت في كثير من الأحيان لا تنفع إلا في التطبيق ، أي تنفع في توظيف القرآن لا في فهمه ،