حيدر حب الله

114

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه هو : ما حاجة الفقيه القرآني لرصد ترتيب النزول في الآيات الأحكاميّة ؟ والجواب : إنّ الحاجة كبيرة ، ويمكن الإشارة لأبرز جوانبها : أولًا : معرفة المتقدّم والمتأخّر من الآيات ، الأمر الذي يساعد في تمييز الناسخ عن المنسوخ أو في التمييز بين النسخ والتخصيص ، فلا نقلب الأمور بل نضعها في مكانها الصحيح . ثانياً : فهم طبيعة البيان التشريعي القرآني ، وهل استخدم الأسلوب التدريجي في البيان ، كما قيل في تحريم الخمر في الإسلام أو لا ؟ ! إنّ هذا الوعي التاريخي لطريقة البيان القرآني تساعد على تشكيل صورة أجلى لفهم التشريعات في القرآن ، وتعطينا انساً بنمط هذا الكتاب وطريقته في بيان التشريعات . ثالثاً : ترجيح تفسيرٍ على آخر أحياناً ، فعندما نعرف أنّ هذه الآية نزلت أواخر الهجرة فسوف يترجّح أحد محتملي تفسيرها ، وهكذا لو أخذنا فرضية نزولها أوائل الهجرة أو حتى أوائل البعثة ، حيث سيترجح تفسيرٌ آخر عندما تتزاحم المحتملات التفسيرية . هذا هو البُعد الأول من أبعاد مرجعيّة التاريخ في الفقه القرآني . البُعد الثاني : بُعد السياق التاريخي الخاص ، أو أسباب النزول من الواضح أنّ بعض آيات القرآن الكريم قد نزلت نتيجة وجود وضع معيّن في الواقع استدعى نزولها ، وهو ما تعبّر عنه - على الأقلّ - كلمة ( يسألونك ) الواردة في القرآن الكريم مرّات عدّة ، بل يذهب الدكتور أحمد صبحي منصور إلى أنّ كلّ مرّة جاءت فيها كلمة ( قل ) في القرآن الكريم ، فإنه يسبقها سؤال أو شبهه من طرف