حيدر حب الله
109
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
وعليه ، فلا يصحّ أن أختار من بين الاستعمالات أيَّ استعمالٍ ينسجم مع قناعتي فأعتبر - كما ذكره بعضٌ - أنّ المراد من قوله تعالى : ( وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) ( المدثر : 4 ) ، هو الأمر بتطهير القلب ؛ لأنّ العبرة ليست بأصل وجود استعمال حتى أقوم باختياره ، وإنما في رجحان هذا الاستعمال ومدى غلبته وانسجام السياق معه وما ينصرف إليه اللفظ عند العرب في العادة حيث لا قرينة خاصّة . فالآية تأمر النبي بطهارة ثيابه ونظافتها ؛ لأنّ هذا هو الاستعمال الغالب للكلمة والذي يعطيها رجحاناً ما لم تقم قرينة عكسيّة . وهذا ما نلاحظه على بعض مفسّري القرآن العزيز ، حيث لا يخضعون اختيار معنى المفردات على أساس معين ، وإنما يذهبون بها ناحية ما يميلون هم إليه ، فكأنّهم يمارسون اختياراً للمعنى من بين استعمالات الكلمة ؛ لكونه يتناسب مع ذهنيّتهم ، دون تقديم مرجّحات لتفسيرٍ على آخر ، إلا وجود هذا الاستعمال في الموروث اللغوي وإمكانه الأوّلي في حدّ نفسه ، وهذا ليس بمرجّح ، وإنما هو يسمح بالافتراض فقط . 1 - 6 - الاحتكام اللغويّ وضرورات المنبّه الوجداني ومن هنا تأتي فكرة المنبّهات الوجدانية الدلاليّة التي تنبّه وتدلّل معاً على أرجحيّة فهمٍ على آخر ، فإنّ قضية الظهور العرفي اللغوي حالة ذاتية قد تصبح مجرّد إحساس داخلي غير مبرهن ، وهذا ما يدخل الاستظهارات العرفية في فضاء مزاجي ويعطّل من إمكانية محاكمتها سلباً أو إيجاباً . لهذا نحن بحاجة دوماً إلى ذكر الشواهد والقرائن والمنبّهات التي قد لا تكون دليلًا برهانياً على صحّة الفهم ، بل هي مثيرٌ وجداني يلفت نظر الآخر لينتبه وجدانُه