حيدر حب الله

56

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

ومن خلال ذلك نعرف أنّ الدعاء لطلب الحرام أو الدعاء بأذيّة الآخرين ممن لا تجوز أذيتهم أو الدعاء بأمرٍ ظاهره حسن لكنّ عواقبه سيئة على الداعي أو غيره ، أو الدعاء الموجب تحقّقه لجميع الناس تغيّرَ النظام الطبيعي للعالم ، وهو النظام الأصلح ، ونحو ذلك كلّه خارجٌ عن عمومات استجابة الأدعيّة بالقرينة اللبيّة المتصلة ، فليس مشمولًا للآية الكريمة الدالة على الاستجابة عند الدعاء من رأس . ومن هذا القبيل تأخير الاستجابة ، كما ورد في الدعاء : « ولعلّ الذي أبطأ عنّي هو خير لي لعلمك بعاقبة الأمور » « 1 » . فإنّ هذا لا يرجع إلى ما قالوه من أنّ الله وعد بالإجابة ولكنّه لم يذكر موعدها ، فإنّ هذا التفسير غير صحيح ؛ لأنّ الداعي حين يدعو فإنّ لسان حاله ومقصده هو تحقّق الاستجابة فوراً أو في أسرع وقت ، فالزمان منظورٌ في الدعاء نفسه ، كيف والآية الكريمة قالت : ( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) ( البقرة : 186 ) ، فإن تعبير ( إذا دعان ) ، شاهد - خلافاً لتفسيرات المفسرين - على أنّ الاستجابة تكون عند الدعاء ، وهذا هو ما يفسّر مجيء ( إذا دعان ) بعد ( دعوة الداع ) بما يوحي وكأن هناك تكراراً في الأمر ، فإنّ هذه الجملة الثانية إنما تريد بيان سرعة الإجابة ، أي أنني أجيب دعوة الداع بمجرّد أن يدعوني . بل يرجع هذا كلّه - موضوع التأخير - إلى عنصر الامتنان ؛ لأنّ التأخير أيضاً فيه المصلحة وفي السرعة المفسدة أحياناً ، وهذا هو الذي يفهم من نصّ الدعاء المتقدّم . ولتقريب فكرة الامتنان أكثر يمكن التشبيه بالوالد وولده ، فإنّه إذا قال الوالد للولد : يا بنّي ، أيّ شيء تريده فأنا سآتيك به ، ثم طلب الولد ابن العشر سنوات أن

--> ( 1 ) مصباح المتهجّد : 564 ، 579 ؛ وإقبال الأعمال 1 : 136 ، 139 ، 301 ، 337 .