حيدر حب الله
55
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
الحلّ الأفضل لإشكالية المفارقة في الدعاء الملاحظة الخامسة : ما يمكننا إضافته هنا واعتباره الحلّ لمشكلة عدم استجابة الدعاء أحياناً ، بعد تخطّي كلّ هذه التأويلات التي قالها بعض العلماء ، وهو أنّ المخصّص أو المقيّد للنصوص العامّة في استجابة الأدعية يمكن بالتحليل إرجاعه إلى عنصر واحد ، وهو أنّ نصوص التعهّد الإلهي باستجابة الدعاء هي نصوص امتنانيّة تفضّلية من الله سبحانه على عباده ، لغاية تحقيق الخير لهم عند رجوعهم إليه ، والنصّ المسوق على نهج الامتنان مقيّد لبّاً بكلّ شيء يتقوّم به الامتنان والتفضّل . ومن الواضح أنّ تحقّق الضرر على العبد لو استجيب الدعاء أو فوات منافع أعظم له ، يقعان على خلاف الامتنان ، فلو استجاب الله تعالى لعبده دعاءه الذي يفضي به إلى وقوع الضرر عليه أو فوات منافع عظمى منه في الدين والدنيا لاستنكر العبد على ربّه بأنّك تعلم الغيب ، وأنا حين دعوت ما كنتُ أعلمه ، فكان من المناسب منك - وأنت جعلت الاستجابة للتفضّل وتحقيق الخير للناس - أن لا تستجيب ، لا أن تستجيب لجهلي وقصوري وخطئي في الدعاء ، فيلحقني بذلك ضرر أو تفوتني منفعة . وهكذا لو كان الدعاء موجباً لضررٍ راجع على سائر عباد الله تعالى ، فإنّ استجابته منافيةٌ للامتنان في استجابة الدعاء عندما تقاس بالنوع الإنساني ، إذ لا معنى للامتنان على العباد بشيء يلزم منه لحوق الضرر على بعضهم . إنّ هذا القيدَ المفترَضَ نفهمه من السياق الامتناني فهماً عرفياً ، وهذا هو ما يميّز محاولتنا هذه عن سائر المحاولات التي قيلت في الموضوع ، وتشهد به النصوص الدينية أيضاً ، مثل قوله تعالى : ( وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا ) ( الإسراء : 11 ) .