حيدر حب الله
43
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
الاستخارة كما سيأتي ، أي بإطلاقات مشروعيّة ومحبوبيّة الدعاء وحُسن الظنّ بالله تعالى ، لكن هل هذا الطريق يثبت عقلانيّة الاستخارة مطلقاً ؟ لنفرض أنّ شخصاً دعا الله تعالى أن يحنّن قلب الظالم عليه ، وكان رجلًا مطارداً يُراد اعتقاله ليُقتل ، فهل يصحّ منه أن يذهب برجليه للظالم الذي يبحث عنه لقتله بحجّة أنّه دعا الله تعالى أن يحنّن قلب الظالم عليه وأنّه لابدّ من حُسن الظن بالله سبحانه ؟ ! لنفرض أنّ صفقةً تجارية كان احتمال الخسارة فيها يفوق التسعين في المائة ، ثم دعا إنسانٌ الله سبحانه أن يُربحه في هذه الصفقة ، هل يصحّ منه الإقدام عليها بحجّة حُسن الظنّ بالله سبحانه ؟ وهكذا إذا لم يعرف أنّها خاسرة أم رابحة أم أنّ الظالم يريد قتله أم لا ، فهل يصحّ الإقدام بحجّة حسن الظن باستجابة الله تعالى لدعاء العبد ؟ ! إنّ فكرة حُسن الظن بالله تعالى لا تنافي فكرة « اعقلها وتوكّل » ، فلا يصحّ بحجّة حُسن الظن أو بحجّة التوكّل على الله سبحانه ترك الاشتغال على نظام الأسباب والمسبّبات المبثوث في هذا العالم ، وهذا كلّه يعني أنّ إطلاقات أدلّة الاستخارة تعارض هذه المفاهيم العقلانيّة والدينيّة ، فتكون منافيةً لنشاط العقل وداعيةً لتعطيله ، وهذا هو ما أراده شلتوت . فلنتصوّر أنفسنا مخلصين لإطلاقات أدلّة الاستخارة بالسبحة والمصحف والرقاع ، بحيث إنّ كلّ أمر نريد أن نفعله - مهما كان - نعمل على ما تقول الاستخارة فيه ، ولا نفكّر فيه أبداً ، ففي هذه الحال إذا لم نسمّ هذا تعطيلًا للعقل فماذا نسمّيه ؟ فلو صحّ الجواب بإطلاقيّة مسألة الدعاء للزم أن نصل إلى هذه النقطة