حيدر حب الله
60
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
في السوق يقوم بعرض السلعة بمقدار كفاية الناس « 1 » ، ولم يتعرّض فقه الجمهور في العادة لشرطٍ من هذا النوع ، وقد علّل ذلك بأنّه لبداهته « 2 » ، وهو كذلك ، والدليل على هذا الشرط : أولًا : إنه لا يصدق الاحتكار مع توفر السلعة في السوق بالمقدار الذي يحتاجه السوق ، فلا يقال : احتكر فلان البضاعة الفلانية إذا خبأها في مخازنه ومستودعاته مع وجود كثير منها في السوق ، فيكون هذا الشرط شرطاً موضوعياً لا حكمياً ، ومعه لا تشمل هذه الحالةَ الأخبارُ المطلقة . ثانياً : إنّ بعض الروايات دلّ على هذا القيد ، كما في صحيحة سالم الحناط المتقدّمة ( رقم 4 ) ، وصحيحة الحلبي ( رقم 5 ) ، وكذلك خبر الحلبي الآخر الذي أوردناه في أدلّة القول بالكراهة ، بل نحن نفهم من الروايات التي دلّت على شرط الاستبقاء لزيادة الثمن أنها تأخذ ضمناً هذه الحالة ؛ لأنّ حبس السلعة لا يتحقق قصد رفع الثمن فيه إلا مع عدم توفرها بمقدار الكفاية في السوق ، وبهذا نضم هذه الروايات إلى بعضها ، فيكون مثل صحيح سالم الحناط وصحيح الحلبي قيداً يقيّد إطلاق سائر النصوص على تقدير انعقاد إطلاق فيها لمثل هذه الحالة . ثالثاً : إنّ دليل نفي الضرر والظلم في مورد حقّ العامة لا يشملان أيضاً هذا المورد ؛ لأنه لا يلحق بالناس ضررٌ بعد فرضنا أنّ البضاعة متوفرة في السوق بقدر حاجة الناس ، كما لا يتصف هذا الفعل بالظلم والاعتداء على الحقّ العام في هذه الحالة . وبهذا نثبت أن الأدلّة المانعة عن الاحتكار لا تطال حبس السلع مع وجودها في
--> ( 1 ) انظر : الأنصاري ، المكاسب 4 : 364 . ( 2 ) أسامة السيد عبد السميع ، الاحتكار في ميزان الشريعة الإسلامية : 74 .