حيدر حب الله
17
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
الحال في الدولار الأمريكي في العصر الراهن ، حتى أنّ غير دولة وسلطة تضطرّ لبيع بضائعها في السوق الخارجية بأسعار زهيدة نسبياً طمعاً في الحصول على العملة الصعبة ، كي تتوفر لديها بما يمكّنها من الناحية الأخرى من شراء البضائع من الخارج لتأمين حاجات المجتمع من تلك البضائع غير المتوفرة في السوق المحلّي وغير المصنّعة داخلياً . 5 - قد يفهم من كلمات اللغويين أنّ الاحتكار مرتبط بالحاجة في طرف طالب السلعة المحتكرة أو بكونه ملحقاً الضرر أو المشقة أو التضييق على الناس ، ويلاحظ ذلك من خلال المعاني الحافّة التي ذكرت للاحتكار كالعسر والظلم وسوء المعاشرة وإدخال المشقّة ونحو ذلك ، وهذا معناه أنّ احتكار سلعةٍ ما لا يفضي إلى مشقة أو ضرر على الناس أو تضييق لا يدخل ضمن مفهوم الاحتكار لغةً حتى لو ارتفع سعرها وثمنها في السوق ، كبعض السلع التي لا يطلبها في العادة إلا الأثرياء الذين لا يتضرّرون من ارتفاع قيمتها السوقية . اللهم إلا أن نحمل كلمات اللغويين على الحالة الغالبة للاحتكار ، لاسيّما مع جعل قيد « الطعام » الذي أدرجوه ممّا يشير إلى هذه الحالة الغالبة آنذاك ، لا أنّ المفهوم غير صادق لغةً . ومن خلال هذا العرض الموجز يتضح أنّ هناك نوعين من القيود المأخوذة في الاحتكار : قيود موضوع ، وقيود حكم . ونقصد بقيود الموضوع ، تلك الشروط والعناصر التي تقوّم المفهوم والهوية بحيث لا يتبلور الاحتكار في الواقع الخارجي من دونها ولا يسمّى الفعل المتحقّق احتكاراً ، وهي قيود تستلّ من المراجع اللغوية ، بعد فرض عدم خضوعها للثقافة الفقهية اللاحقة ، ومن التحليل العقلاني والعقلائي للظاهرة أو الفعل محلّ البحث . أما قيود الحكم ، فإنّ الاحتكار معها متحقّق ، لكنّها تقيّد الحكم بحرمته أو كراهته