حيدر حب الله

15

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

يبتعد كثيراً عن معنى الحبس المأخوذ هنا ، وهو مراد اللغويين الذين عبّروا بالجمع ، باستثناء ابن سيده الذي ذكر جمع الطعام ثم ذكر احتباسه بما يدلّ على المغايرة وإن احتمل العطف للتوضيح فقط . وعليه ، فليس الجمع - بما هو مصدر - مأخوذاً في هوية الاحتكار لغةً وعرفاً ، وإن كان الاحتكار المسبوق بشراء السلع وجمعها من السوق عن قصد مسبق ونية متعمّدة لذلك من أوضح مصاديق الاحتكار ، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى البحث على المستوى الفقهي في أخذ الشراء المسبق شرطاً في الاحتكار وعدمه . 2 - انتظار غلاء السعر والتربّص به لذلك ، وقد كان هذا القيد واضحاً في مثل كلمات الفراهيدي والجوهري وابن فارس والفيروزآبادي وغيرهم ، ما لم نحمل تعريفاتهم على المعنى الشرعي كما تقدّم من النراقي . ومعنى ذلك أنّ حبس السلعة لغرض قوت نفسه وعياله وعشيرته لا بهدف ارتفاع القيم والأسعار ، لا يدخل ضمن مفهوم الاحتكار لغةً . فالغاية التجارية شرط أساس في عملية الاحتكار ، والمعيار العملي هو حصول ارتفاع القيم السلعيّة المحتكرة ، ولهذا لا يوجد في كلمات أهل اللغة حديث لغوي عن تحديد زمني لمدّة الاحتكار ، على خلاف الحال مما سيأتي التعرّض له في مواقف الفقهاء المسلمين وشروطهم من ثلاثة أيام وأربعين يوماً أو غير ذلك ، فالمعيار هنا مرجعه إلى حالة الأسعار وحركة ارتفاع القيم لا مدّة زمنية معينة . ووفقاً لذلك يمتاز الاحتكار عن الادّخار ؛ فإن الثاني لا يرتبط بقصد ارتفاع الأسعار أو التحكّم بالسوق ، فقد يدّخر الإنسان شيئاً لنفسه وعياله مهما كان كثيراً ولا يسمّى ذلك احتكاراً ما لم يدخل القصد التجاري والربحي في عملية الادّخار هذه .