حيدر حب الله
66
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
معتزاً بجهوده واثقاً من نفسه وقناعاته فاهماً ما توصّل إليه ، أما العقل النصي فلا يسعى لفهم العالم على هذه الطريقة بل عبر وسيط ، وهو النصّ نفسه ، فهو يجهد لفهم رأي الآخر عبر تحليل نصوص ، أكان هذا الآخر هو الله تعالى أو النبي أو غيرهما ، فالثقة بصاحب النص ( على أساس مفهوم العصمة مثلًا ) ، ولنسمّه ( الناصّ ) هي التي تمنحه الثقة بتصوّراته عن الكون والحياة . وانطلاقاً من ذلك ، تنفتح أمام العقل النصي مساحة جديدة من المجهول ؛ لأنك عندما تبني تصوّراتك عن العالم على أساس الثقة هذه ، فهذا يعني أنك مستعدّ لتبنّي تصّورات عن العالم لم تفهمها بمعطياتك الذهنية وإنما حصلت عليها بمعطيات غيرك ، وانطلاقاً من قناعتك بهذا الغير - وهي قناعة لم تنشأ بالضرورة من فراغ بل نشأت من براهين أقمتَها تبرّر الوثوق به - صدّقت هذا التصوّر أو ذاك ، دون أن تنتجه بنفسك . من هنا ، يغدو العلم بمضمون النص ومحتواه ، بمعنى عدم الوصول المباشر إليه ، أساساً في بعض الأحيان لدى العقل النصيّ ، أما العقل الفلسفي فهو على النقيض من ذلك ، إذ بسعيه لتكوين قناعاته من نفسه لا يسمح بالمجال لعدم العلم لصياغة تصوّره عن العالم ، بل هذا التصوّر ينشأ عنده من المعلومات التي عرفها عن العالم ، ولا تساهم المجهولات لديه في بناء التصوّر ، بل تساهم في نقصانه ، فالعقل النصّي لا ينزعج من هذا « اللاعلم » ، بل يكمل بناء منظومته المعرفية اعتماداً على الناصّ ، فيما لا يمكن للعقل الفلسفي إكمال البناء دون توصّل مباشر للمعرفة . إذن ، فالعقل النصي يشيد تصوّراته عن العالم في ظلّ مبدأين : أحدهما الثقة بالناصّ وثانيهما : الجانب غير المفهوم ولا المعقلن من العالم ، ولا تضادّ بين هذين المبدأين ، أما العقل الفلسفي فيشيد تصوّراته على مبدأ واحد ، هو المعلوم الذي