حيدر حب الله

41

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

الإسلامي ، فعندما تقول لشخص : أحسن التصرّف في مالك ؛ وتعلل له ذلك بقولك : وتذكّر كيف كنت فقيراً فأعطيناك المال ؛ فهذا معناه أنّ التذكّر هنا أخذ لكي يكون مقدّمةً للأمر الأوّل ، وهو حسن التصرّف في المال ، وهنا الأمر كذلك ، يكون التذكّر مقدّمةً لتحقيق الاعتصام بالحبل الإلهي وعدم التفرّق ، فالجملة خبرية الروح عن واقعهم التاريخي ، إنشائية الصياغة من حيث إرادتها الحفاظ على هذه النعمة . ويمكن تعزيز هذا المبدأ بآية قرآنية أخرى ذات صلة ، وهي قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ « 1 » ) ، فإنّ رفع الغلّ - وهو الحقد والضغينة والعداوة - درجة من الدرجات الأولى لبلورة الألفة والمحبة ، بل هذا الدعاء بنفسه تعبير عن محبة وعطف وصدق مع المؤمنين ، ولعلّه لذلك ختمت الآية بأوصاف الرأفة والرحمة في الباري تعالى شأنه . وهذا ما يجعلنا نطلّ على الآية الثالثة من آيات هذا المبدأ ، تلك الآية التي تشيّد مبدأ الرحمة الإيمانية ، فالمؤمنون فيما بينهم رحماء تحكم علاقاتهم الرحمة وليس المصالح ، فهم يخافون على بعضهم ويشفقون على رجالهم ونسائهم ، ويتحنّنون على بعضهم ، فهذا هو معنى الرحمة التي تذكرها الآية ، وهي تستدعي مساعدة بعضهم بعضاً في الشدائد ، والوقوف إلى جانب بعضهم « 2 » ، وتبدو هذه الرحمة بمظهر المذلّة

--> ( 1 ) الحشر : 10 . ( 2 ) انظر مواقف المفسّرين من الآية وهي توجز بعض ما نقول في : تفسير مقاتل بن سليمان 2 : 79 ، و 3 : 254 ، 327 ؛ وجامع البيان 26 : 141 - 142 ؛ والتبيان 9 : 336 ؛ وتفسير السمرقندي 3 : 304 ؛ وتفسير ابن زمنين 4 : 258 ؛ والميزان 18 : 299 ؛ وتفسير الثعلبي 9 :