حيدر حب الله
37
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
فالآيتان الأوليان تطرحان مبدأ مهماً جداً ، هو مبدأ الألفة بين المؤمنين ، وتشيران إلى أنّ الإسلام سببٌ للألفة ، وأن التعادي والتباغض الذي يكون بين الناس يزول بدخولهم الإسلام ، والميزة هنا أنها لا تتحدّث عن اتحاد اجتماعي في الأمة المسلمة أو سياسي أو عسكري أو اقتصادي أو . . . وإنما تطرح مبدأ الألفة القلبية ؛ لذلك ورد في الآيتين الحديث عن تأليف القلوب ، أي أننا دخلنا هنا في المشاعر والأحاسيس والعواطف التي تنقل المسلمين - بالإسلام - من مرحلة التعادي والتباغض إلى مرحلة التوالف والتحابّ ؛ لأنّ الألفة - كما قيل « 1 » - هي الاجتماع على الموافقة في المحبّة ، وقد جعلت الآية الثانية حالة التآلف القلبي هذه سبباً أو مرحلةً أسبق من مرحلة صيرورتهم إخواناً ، فأخوّتهم جاءت في تآلف قلبي ، وليس من علاقة مصالح أو قرابة أو نسب أو قومية . ويمكن الاستئناس بآية قرآنية دالّة هنا تدعم الفكرة التي نقول ، وهي قوله تعالى : ( لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) « 2 » ؛ فهذه الآية الكريمة تنتقد حال الأعداء وتصفهم بأنّهم يبدون لكم على كلمة واحدة ، وصورة فاردة ، وجسم واحد متراصّ ، إلا أنّهم متفرّقون من حيث القلوب والباطن ، وهذا هو الذي أشرنا إليه ، من أنّ الإسلام لا يريد لأبنائه مجرّد وجود تحالف سياسي أو عسكري أو اقتصادي بينهم ، بحيث يبدون في الظاهر متّحدين في مؤسّسات أو اتحادات أو منظمات أو . . فيما هم في قلوبهم وفيما إذا خلى بعضهم إلى بعض لا يضمرون لبعضهم سوى الحقد والضغينة ، ويتمنى كلّ واحدٍ منهم أن يقضي على
--> ( 1 ) انظر : الطوسي ، التبيان 5 : 151 . ( 2 ) الحشر : 14 .