حيدر حب الله

29

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

الأمة قد لا تكون منصرفةً - لغةً وعرفاً - إلى الدين والديانة ، ما لم تحشد إلى جانبها شواهد وقرائن . ج - ما نراه من أنّ الآية بعد أن استعرضت - قبلها - عدداً من الأنبياء والأولياء الصالحين وتحدّثت عنهم ، استأنفت خطاباً وجّهته للمؤمنين جميعاً - باختلاف دياناتهم - بأنّ هؤلاء الأنبياء والأولياء كلّهم أمّة واحدة وجماعة واحدة هي أمّتكم ، وأنهم يسيرون على خطّ واحد لا تفريق بينهم ولا تمييز بين موسى وعيسى و . . . فاتقوا الله واعبدوه ، ثم تتحرّك لتشير إلى سبب الفُرقة والخلاف ، فقد يطرأ في الذهن سؤال : إذا كان عيسى وموسى على خطّ واحد ودين واحد ، فكيف صارت ديانتهما مختلفة وأنصارهما متباعدين متناحرين أحدهما يسمّى اليهودية والثاني المسيحية وبينهما سيف ودماء وتكفير ولعن ؟ ! فأشارت الآية اللاحقة - فوراً - إلى أنّ أنصار هؤلاء الأنبياء هم السبب ؛ حيث قطّعوا أمرهم بينهم زبراً ، أي جعلوها كتُباً ذهب كل واحدٍ لكتاب ، أو صاروا قطعاً - كما هو أحد معاني الزبر لغةً كما قيل - وصار كل فريقٍ يفخر بمصالحه الحزبية والفئوية ، فيما كان المطلوب منهم التوحّد تحت التعاليم الحقيقية للرسالات السماوية البعيدة عن كل هذه الإضافات والتأويلات والتحريفات التي ابتدعوها فيما بعد . وبناءً عليه ، تدلّ الآية الكريمة على وحدة أمّة الأنبياء والأولياء والمرسلين وأنّه لا اختلافات بينهم . من هنا ، قد يصعب الاستناد إلى هذه الآيات لتأسيس مبدأ وحدة الأمة المسلمة ، حيث المقصود وحدة الرسل ورسالاتهم ، لا وحدة المسلمين والمؤمنين مع اختلافهم .