حيدر حب الله

90

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

وهي إن فسّرت بالشرك انسجمت مع مشهور فتاوى الفقهاء من أنّ المشرك مخيّر بين الموت أو الإسلام ، ومعه فلا تشمل هذه الآية غير المشركين فلا تدلّ على الجهاد الابتدائي مع أهل الكتاب ، أما إن فسّرت بمطلق الكفر ، فقد يُتساءل حينئذٍ عن أهل الكتاب ، مع أنّ قتالهم لا ينتهي بإسلامهم ، بل بالجزية ، كما تصرّح بذلك آية الجزية نفسها وفق ما تقدّم ، فكيف يمكن تفسير ذلك ؟ ! هل نسخت آية الجزية هذه الآية هنا كما قد يستوحى ؟ ! لا سبيل لتفسيره سوى بضمّ هذه الآية إلى مثل آية الجزية ، حيث يجري التقييد ، فيعلم أنّ أهل الكتاب خارجون مثلًا ، أو بالقول بأنّ المراد من « الدين » في الآية شيء آخر مثل الإذعان والتسليم ، أي فيسلّمون لله سبحانه ، ولو على مستوى الإذعان المادي الدنيوي ، بخضوعهم لدولة الإسلام ، وهذا لا يثبت حينئذٍ فتوى المشهور باقتصار تخيير المشرك بين القتل والإسلام ، أو يقال : إن أهل الكتاب يذعنون بالله تعالى ويدينون له ، غايته أنّهم لا يدينون الدين الحقّ ، على خلاف المشركين الذين لا يدينون لله ، بل للأصنام . الفرضية الثانية : ما يظهر من كلام الماوردي ( 450 ه - ) ؛ حيث ساق الآية لدى حديثه عن التخذيل والتخويف داخل الجيش المسلم ، فيكون المعنى - عنده - أمرٌ بالقتال حتى لا يفتن بعض الجيش المسلم بعضاً ويتخاذلون ويضعفون « 1 » . لكن هذا التفسير بعيد عن سياق الآية التي تربط مختلف قطعاتها بالطرف الآخر ، لا بقضيّة تأتي في سياق الوضع الداخلي للجيش المسلم . الفرضية الثالثة : أن تكون الآية - كما نقل ابن عبد البر وغيره - خاصّة بكفّار

--> ( 1 ) الماوردي ، الأحكام السلطانية : 37 ؛ مركز النشر ، مكتب الإعلام الإسلامي ، إيران ، الطبعة الثانية ، 1406 ه - .