حيدر حب الله
84
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
خرقت الاتفاقات وكانت هي المعتدية البادئة ، ومع سياق من هذا النوع - حتى مع الشك في الاتصال - كيف يمكن الجزم بأنّ النص هنا يتحدّث بالمطلق ، ويطوي صفحة المعاهدات والتوافق حتى يؤمنوا ، لا سيما وأنّ هذه المجموعة من الآيات قد كرّرت مسألة التوبة ضمن السياق المذكور ، مما يشير إلى أن شرط التوبة لا يعني جعل باب الحرب مفتوحاً ، بل معناه أنّ هذه الفئة التي لا عهد لها بسبب كثرة نقضها للعهود وتربصها بالمؤمنين لا نهاية في الحرب معها إما الموت أو أن تُسلم ، لا بمعنى أنّ هدف الحرب معها هو الإسلام ، بل بمعنى أن تحقق الإسلام - حيث قال : إن تابوا ولم يقل : كي يتوبوا أو ليتوبوا - يحول دون استمرار الحرب ، وفرق بين الأمرين ، علماً أن الآيات نفسها تشير إلى بدء الطرف الآخر بالاعتداءات وإخراج الرسول أيضاً ، وهذا كلّه يضع آيات مطلع سورة التوبة في ضمن سياق دفاعي . وحصيلة الكلام في آية الانسلاخ - بحسب أسباب نزولها وبحسب سياقها الكامل حتى مع الشك في اتصال القرينة - أنها تعلن الحرب التي لا نهاية لها سوى بالقضاء على الطرف الآخر ، لكنّها لا تريد شمول حكمها لكل غير مسلم هادفةً إسلامه أو إخضاعه ، بل هي مختصّة بفريق من الكافرين لا يفون بالعهود ولا يكفّون - متى استطاعوا - عن الاعتداء ، فأرادت تحقيق حالة ردع تنهي خطرهم فيها ، غايته أنّه لو أسلموا انتهت الحرب معهم ، لا أنّ هدف الحرب كان إسلامهم ، ولا أقلّ من عدم الظهور في هذا المعنى ، ومفاد الشرطية يظلّ سارياً هنا ؛ لهذا فتفسير « المشركين » في آية الانسلاخ ب - « الذين نقضوكم وظاهروا عليكم » كما فعل العيني في عمدة القاري « 1 » هو المتعيّن . والإشكالية التي وقع فيها أنصار الجهاد الدعوى هنا أنّهم ظنوا الآيات إخباراً
--> ( 1 ) العيني ، عمدة القاري 1 : 178 .