حيدر حب الله
82
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
نعم ، مقولة النسخ المدّعاة تغدو باطلة هنا ؛ لأنه لو حصل نسخٌ لكل أوامر الموادعة مع الكافر فلا معنى لشرعية حتى العهود السابقة ، بل المفترض أنّها نسخت عملياً ، ولا نجد خصوصيةً تعبديّة لتلك الجماعة المتبقية من صلح الحديبية ، مما يكشف عن عدم وجود نسخ أصلًا في المقام . الشاهد الثالث : ما جاء في الآية اللاحقة : ( كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ) ( التوبة : 8 ) . فهذه الآية وقعت ضمن السياق نفسه ، وهي تبيّن سبب موقف القرآن منهم ومن إبطال عهودهم والتنزّه عنها ، إذ تؤكّد أنّ هذا الفريق يتربّص بالمسلمين وينافق في حقهم ، وأنه ما زال مصمّماً على أذيّتهم ، من هذا المنطلق كان هذا الموقف القرآني متشدّداً منه - أي من هذا الفريق - مطلع سورة براءة . وهذا الشاهد وما سبقه من شواهد جاء عقب آية الانسلاخ مباشرةً ولا شاهد على تقدّمه الزماني ؛ فلا وجه لادعاء النسخ فيه « 1 » . وهذا الشاهد جيّد ، خصوصاً لآية نفي العهود التي سبقت هذه الآية ، والتي لا يبعد وحدة الن - زول معها ، مع فهم الإخبار في الآية عن وضع تاريخي لا عن قضية حقيقية ، كما سوف نذكر لاحقاً بعون الله ، نعم يبقى أن يحتمل التعدّد في الن - زول هنا ، بمعنى ن - زول هذه الآية منفصلةً عن آية انسلاخ الأشهر الحرم ، فلا يصحّ حينئذٍ جعلها قرينةً وشاهداً ، فعدم ثبوت تقدّمها أو تأخرها لا يؤكّد تقارنها معها ، وإن كانت وحدة الن - زول وانسجام السياق يعزّزان ذلك .
--> ( 1 ) فضل الله ، كتاب الجهاد : 211 - 212 ؛ وراجع : شمس الدين ، جهاد الأمة : 239 - 240 .