حيدر حب الله
81
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
وقد سجّل بعض أنصار هذا الشاهد نقداً على أنفسهم بأنّ هذا العهد الذي تستثنيه الآية كان سابقاً على آية انسلاخ الأشهر الحرم ؛ لهذا احترمه القرآن ، والذي ندّعيه المنع من اليوم فصاعداً عن استخدام سياسة المعاهدات معهم ، واستبدالها بسياسة القتال ، وهذا غير الوفاء بمعاهدة سابقة ، فهو مثل ( إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ ) ( النساء : 22 ، 23 ) . وقد أجاب الناقد نفسه بأنّ هذه الملاحظة غير واردة ؛ لأنّ المفروض أن مثل آية السيف تلغي المعاهدات السابقة ، فهذا هو سياق النصوص الأولى من سورة التوبة ، فعدم إلغائها شاهدٌ على احترامها « 1 » ، بل لا معنى للنسخ حينئذٍ . وهذا الشاهد يمكن أن يلاحظ عليه أنّ معنى الآية ليس أنّهم لم يستقيموا لكم لكن استقيموا أنتم لهم ، كما قد يستوحى للوهلة الأولى ، بل معناها استقيموا لهم ما استقاموا لكم « 2 » ؛ فحرف « ما » هنا ليس للنفي ، بل بمعنى « ما داموا » ، وهذا المعنى ينسجم مع الواقع ؛ حيث يراد من هذه الجماعة بقية فئات العرب التي دخلت مع قريش العهد يوم الحديبية ، ولم تخلفه ، بل أخلفته قريش وبنو الدئل من بكر ، وبقيت على العهد بنو خزيمة ، وبنو مدلج ، وبنو ضمرة و . . إذن ، وطبقاً لهذا المعنى ، تستثني الآية المعاهدات السابقة التي وفى أصحابها ، احتراماً منها للعهود ، دون أن يعني ذلك رخصة في العهود الجديدة ، ولا يوجد إلغاء للمعاهدات السابقة في غير صورة إلغاء الطرف الآخر لها أو خوف خيانته ، فالتمييز بين العهود القديمة السابقة والجديدة اللاحقة بهذا المعنى تمييز معقول ومتصوّر ، ولهذا قال أنصار الجهاد الابتدائي : إنّ هذا الاستثناء يؤكّد القاعدة ولا يلغيها .
--> ( 1 ) فضل الله ، كتاب الجهاد : 211 . ( 2 ) راجع : الطبرسي ، مجمع البيان 5 : 14 ، وغيره من المفسّرين .