حيدر حب الله
80
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
النسخ إلى طبيعة ملاحظة الآيتين ، والذي نجده فيهما أنّه لا تنافي بينهما إطلاقاً ، فالأولى تصدر حكماً عاماً بحقّ جماعة المشركين بالقتل ، فيما الثانية تصدر حكماً خاصّاً ( أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ ) ، محصوراً بصورة طلب الأمان ، فموضوع الآيتين مختلف ، نعم آية الاستجارة أخصّ من آية انسلاخ الأشهر الحرم ، فالمفترض أن تخصّصها وقد وقعت معها ضمن سياق واحد ، ولو فرض أنهما نزلتا منفصلتين واجتمعتا في المصحف على هذا النحو فلا دليل - كما يقول العلامة شمس الدين « 1 » - على تحديد المتأخر والمتقدّم ، حتى يدّعى نسخ الأولى للثانية ، مع أنّ المفترض في دعوى النسخ إثبات هذا الأمر . والنتيجة أن دعاوى النسخ الاعتباطية كثيرة في كتب التفسير عند المسلمين ، فالآيتان لا تناقض بينهما ، فقد قبل الفقه الإسلامي عقد الأمان الفردي واحترام السفراء رغم أنّ الحرب قائمة ، إذاً لا موجب لدعوى النسخ هذه . الشاهد الثاني : الآية اللاحقة على آية الاستجارة ، قال تعالى : ( كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) ، فهذه الآية تبقي على عهد المسلمين للمشركين ، فلو صحّ أن مثل آية انسلاخ الأشهر الحرم ناسخة لتمام آيات موادعة المشرك لكان المفترض الإطاحة بهذا العهد الذي وقع عند المسجد الحرام أيضاً ، إذاً فحتى بعد جعل القتال أصلًا كانت المعاهدات نافذة المفعول ، وليس من معنى لذلك سوى عدم كون الكفر معياراً للحرب ، وإلا وجب قتال حتى المعاهدين لفرض كفرهم ، بل العدوانية هي المعيار هنا « 2 » .
--> ( 1 ) شمس الدين ، جهاد الأمّة : 236 - 237 . ( 2 ) فضل الله ، كتاب الجهاد : 211 ؛ وشمس الدين ، جهاد الأمة : 239 .