حيدر حب الله
79
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
سبيلٍ لها ، وعليه فالآية عندما تسمح بالاستجارة لهدفٍ دعوي لا تكون منافيةً لمبدأ تشريع الجهاد الابتدائي ، فقوله : ( حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ) ، سواء كان غايةً لقبول الاستجارة فقط ، كما ذكر المستدلّ بهذا الشاهد هنا ، أو كان غاية للطرفين كما ذكره جمع من المفسّرين ، هو ما يرفع المنافاة هنا ، وبعبارةٍ أخرى : لمّا أرادت الشريعة من قتال المشركين نشر الإسلام وتطهير الأرض من الشرك ، كان من الطبيعي أن تسنح بالفرصة كي يُسلم المشرك ، ولهذا أشارت للغاية ، مما يعني أنه لولاها لم يجز قبول أمانه الذي يطلبه ، وأما مسألة جواز إبلاغه مأمنه رغم بقائه على كفره فهذا أمر طبيعي احتراماً لعقد الأمان ، بمقتضى : ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) ، ولا يضرّ بمبدأ لزوم قتله ؛ فإن أمانه هنا كان لدليلٍ حاكم هو العقد الشرعي المتفق عليه معه ، ولا ضير في تشريع حرب مع احترام العهود فيها ، كالسفير المحترم ؛ وبهذا يظهر أنّ مبرّر عدم قتل هذا المشرك ليس سلميّته وعدم عدوانيته كما قيل ، بل غرضيّة الدعوة ووفاء بالعقود ، فهذا هو المقدار المؤكّد من الآيات هنا . نعم ، يمكن أن يُستفاد من هذه الآية أنّ الإسلام يفضّل إسلام الطرف الآخر على قتله ، وشاهد ذلك أنّه في أشدّ آيات الجهاد قوّةً وتشدّداً يفسح المجال لإسلام الطرف الآخر ، وذلك أنّها تأمر بقبول استجارة الكافر لا أنّها تعلّق الأحكام على قبولها ، فهي تقول : ( فَأَجِرْهُ ) ، أي إن استجار وجبت إجارته بغية دعوته للدين ، مما يجعل إسلامه أهمّ ومقدّماً على قتله ، لهذا لم تقل : « فأجرته » كما هو واضح ، بناءً على تفسير الأمر هنا بالوجوب لا بالإباحة لوقوعه موقع توهّم الحظر . هذا ، وقد ادّعى بعض أنصار الجهاد الابتدائي أنّ آية الاستجارة منسوخة بآية انسلاخ الأشهر الحرم التي وقعت قبلها أو بغيرها من آيات الجهاد الحاسمة ، لكنّ أحداً لم يقدّم شواهد تاريخية على هذا النسخ بحيث يلغي الآية ، وعليه ، يرجع تحديد