حيدر حب الله

78

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

مع روح هذه الملاحظة وإن لم يطابقها ، لانفراده بالأهلية وذهابها إلى الفعليّة . وسوف تكون لنا وقفة مركّزة حول الفرق بين « قاتل » و « قتل » لدى الحديث عن الروايات في هذا الباب ، حيث ورد بعضها بهذه الصيغة ، فنؤجل ذلك إلى محلّه ، حيث سيتبيّن عدم صحّة هذه الملاحظة في الجملة . الملاحظة الثالثة : إنّ آية انسلاخ الأشهر الحرم ، قد يدّعى وجود قرائن عديدة فيها وشواهد تخرجها عن سياق تأسيس شرعية الجهاد الابتدائي بملاك الكفر ، وهذه الشواهد هي : الشاهد الأوّل : إنّ الآية اللاحقة لهذه الآية تقول : ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ) ( التوبة : 6 ) ، وهذا معناه أنّه لو كان القتل والحرب بسبب الكفر لكان المفترض الحكم بقتله بعد كلّ هذا التشدّد في آيات سورة براءة ، إذاً فليس من تفسير للاستجارة هنا سوى أنّ المشرك إنما دخل دار الإسلام مسالماً لا معلناً الحرب وعدوانياً ، والجدير ذكره هنا أنّ الآية لم تجعل سماع كلام الله هدفاً للمستجير ، بل جعلت إجارته من جانب المسلم ذات هدفٍ رسالي ، أي إن استجارك لسببٍ ما فأجره حتى يكون في إجارته ما يوجب سماعه كلام الله فلعلّه يُسلم ، إذاً فهي شاملة لمطلق الاستجارة بغية أن يتعرّف على حياة المسلمين علّه يهتدي ، كما أنّ الآية صريحة في المشرك الذي لا مجال فيه إلّا للإسلام أو القتل ، فبأيّ وجهٍ جاز إبلاغه مأمنه رغم بقائه على كفره ؟ ! « 1 » . وهذا الشاهد - بهذه الصيغة - يقبل النقاش ؛ من حيث إنّه لما كان الجهاد الابتدائي جهاد دعوة ، كان من الطبيعي أن يركّز على موضوع الدعوة ويكون مجرّد

--> ( 1 ) فضل الله ، كتاب الجهاد : 210 ؛ وشمس الدين ، جهاد الأمة : 235 - 236 .