حيدر حب الله

74

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

الواجب الوفاء به ، فهذا الاستثناء لا يبطل القاعدة في صدر الآية ، بل يؤكّدها . وقد عزّز أصحاب هذا الاتجاه « 1 » تفسيرهم لهذه الآية بما تلاها من آية : ( كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ) ( التوبة : 8 ) ، فهي تؤكد عدم استحقاق المشركين بعد اليوم للعهد ، والسبب في ذلك - كما يخبرنا الله سبحانه - أنّهم لا يفون بالعهود ولا يفوّتون فرصةً للانقضاض على المسلمين ، فهذا إنباءٌ إلهي إلى يوم الدين أنّ هذه الفئة من الناس لا أمان لها ولا عهد ، إذاً فلا سبيل معهم سوى الحرب إلى أن يسلموا . الآية الخامسة : قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) ( التوبة : 123 ) ؛ فهذه الآية صريحة في أنّ الحرب هنا ليست لردّ العدوان أو الحرابة ، بل لفتح البلاد ، فهي تقول بوجوب قتال من يلي المسلمين منهم ، بحيث يُبدأ بالأقرب فالأقرب ، من هنا أشار بعض المفسّرين - كالقرطبي وابن كثير و . . « 2 » - إلى أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قد طبق هذه الآية بأن بدأ بالعرب ، ثم لما استسلمت له أقاليم الجزيرة ، بدأ بالروم والفرس وهكذا « 3 » . كانت هذه أهمّ الآيات الكاشفة عن معيارية الكفر في شنّ الحروب في الإسلام ، وأنّ استراتيجية الجهاد في القرآن إنما هي استراتيجية دعوية بامتياز . وقفات تحليلية نقدية مع نصوص جهاد الطلب في القرآن الكريم هذا البيان للاستدلال القرآني على شرعية الجهاد الابتدائي يواجه مجموعةً من

--> ( 1 ) انظر : البرّاك ، ردود على أباطيل وشبهات حول الجهاد : 81 ؛ والطباطبائي ، الميزان 9 : 404 . ( 2 ) راجع وإن لم يُفهم منه الابتدائية : تفسير القرطبي 2 : 350 و 8 : 297 ؛ وابن العربي 1 : 145 ؛ وابن كثير 2 : 416 و . . ( 3 ) انظر البرّاك ، ردود على أباطيل وشبهات حول الجهاد : 82 - 84 .